مدونة عمر الحاج

مدونة وموقع الأستاذ عمر الحاج

موقع عمر الحاج

موقع الأستاذ عمر الحاج هو موقع متخصص في مختلف الدروس والمواضيع التي تخص الطالب الجامعي.

قصة وعبرة

ذكرني صديقي بقصة حقيقية حدثت غير بعيد عن الحي الذي أسكنه.
منذ مدة بعيدة، ربما 30 سنة أو أكثر، كان أحد الأولاد في عمر 10 سنوات، أقل أو أكثر. وكان بالحي الذي يسكنه أو المدرسة التي يرتادها، غير بعيد، مقر شركة بناء مشهورة، يشرف على حراستها كهل، ربما في حدود 45 سنة. في أحد الأيام، لم يستطع الحارس أن يغادر المكان لجلب الفطور من المحل وقد كان يومها قلة قليلة من المحلات الذي تتواجد متباعدة عن بعضها. فما كان منه إلا أن نادى على هذا الولد الذي مر أمامه، فسلمه وقتها 6 دنانير ليشتري له خبزا وبعض الجبن أو غيره ليسد به رمقه. أخذ الولد النقود ومشى وحين غاب عن أنظار الحارس، راودته نفسه أخذ الدنانير، فترك الحارس يومها ينتظر اليوم بطول وقد عاد إلى بيته خاوي البطن وهو يتحسر على الأمرين : تسليم نقوده لولد لا يعرفه، والبقاء يوما كاملا بدون غداء. ولعله كان قلقا طول اليوم على مصير الولد… ربما حدث له مكروه بسببه.
مرت الأيام والسنين، ولعل القصة نسيت تماما وانمحت من ذاكرة الرجل تماما كغيرها من تجارب الحياة الصغيرة، لكنها بقيت في ذهن ذلك الصغير ولم تغادره حتى كبر وصار شابا يافعا ثم موظفا ميسورا. وإذ ينعم الله على عبده، أن كان الشاب ذو سيرة حسنة. وفي جمعة أحد الأيام، وبينما كان الإمام يعض الناس عن أكل مال الناس وأداء الأمانة وكيف أن الله تعالى سيقتص من الحيوان ومثيله قبل أن يقول لها كوني ترابا فما بالك بالعاقل من بني آدم.
والإمام يخطب، وصاحبنا يعض على يديه من ألم الذنب، وكأن الشيخ كان يذكره ويشير إليه. وما كاد ينقضي اليوم إلا والشاب يراه قصيرا للمسارعة في التكفير عن ذنب حدث منذ أكثر من 15 سنة. وكما يقال فإن الليل يحمل النصيحة. فلعله بات ساهرا، يبحث عن فكرة ليعيد بها الزمن ويعيد الأمانة لمن ائتمنه.
ومن صبح اليوم التالي، عزم الشاب على البحث عن الرجل الذي بات يؤرق ليله، لكن ذلك لم يكن بالأمر اليسير، فالحارس لم يعد حارسا والشركة عادة ما تضيع الوثائق بحصول الأحداث العارضة. لكن صاحبنا لم يكل وأخذ يسأل موظفي الشركة القدامى ومن حسن حظ هذه الأمة أنه لا توجد الفروق ولا تنسى الصحبة. وبعد رحلة بحث حثيثة، تبين أن الحارس، قد أخذ معاشه منذ مدة طويلة، ودل على مسكنه… وكان كل ما يتمناه يومها صاحبنا أن يكون الحارس على قيد الحياة.
اقترب الشاب من شيخ عجوز طاعن في السن يقف خلف مسكن أو كوخ، فسلم عليه والسنين قد محت ذلك الوجه من الذاكرة، لكن القلب يزيد خفقانا، لأن قلب الحر حاسة سادسة. سأل صاحبنا الشيخ عن شخص بالأوصاف والاسم الذي عرفه من خلال السؤال. فرد العجوز، غير آبه، أنه هو.. فصدم الشاب من الفرحة والحياء، لكنه تدارك نفسه وبادره بشجاعة لا تعهد إلا في مواقف الأحرار “هل تذكر، يا عمي الحاج، يوم كنت حارسا بالشركة الفلانية وقد أعطيت نقودك لولد لجلب الفطور و … ؟” وما كاد ينتهي السؤال، إلا والشيخ يتنهد… “إي والله، لقد تركني يوما… ذلك الــ … ! ” وما كاد يكمل كلامه إلا والشاب يستوقف بنت شفتيه بأنه هو المقصود بذلك العتاب وتلك العبارات التي لا يتمنى أحد أن ينعته بها… فاستحى الشيخ… وقال “… لكن يا بني، لا لوم ولا عتاب، لقد مر على ذلك زمن طويل وقد نسيت القصة وأنا أسامحك… لم تكن إلا ولدا!… “. لكن الشاب، ما كان ذلك ليرضيه وفي غمرة الاعتراف لم يتمالك نفسه والدموع قد سبقت الخروج من مقلتيه وهو يسلم على رأس الشيخ ووجه مرارا، ثم في لفتة بدت غريبة، يخرج من جيبه 20000 دينار (مليوني سنتيم)، أي ما يعادل أكثر من 3333 ضعف ما أخذ للشيخ في صغره… ليعطيها للعجوز ولكنه أسف أن ذلك قد لا يعوض ما فعله أو ما قد يكون دعاه الشيخ خلال تلك السنوات… فتأسف العجوز والحياء يرسم على وجهه تقاطيع من الفرحة والألم معا… فرحة بأنه ما زال في هذا العالم أمناء وألم أنه ما كان ليأخذ تلك النقود لو كان في يسر بهذه الأمة التي قدم لها عمره كله، فلم تجُد عليه إلا ببعض ما لا يكاد يضمن له ضروريات الحياة خلال الشهر.

عمر الحاج - 05 مارس 2009