دعاة ”الظلامية والتنوير” بين الجهل والغرور.

مثل أولئك الذين قدسوا التبعية لأصنام بشرية باسم الدين وأولئك الذين تحرروا من كل القيم التي تربطهم بالخالق، إنما مثل الأول كساكن الليل السرمدي يمشي رافعا رأسه إلى السماء يهتدي بنجمه من دون النظر إلى دربه موضع قدمه، فإذا به حيث يقاد مع القطيع يسير إلى حتفه؛ أما الآخر فمثله كسار بالنهار الأبدي، فهو لا يرفع بصره ليتعرف على وجهته فإذا به في التيه يسير  إلى حتفه أو وسط اليباب يتبع السراب.

كثيرا ما نضطر أن نتحدث مع جاهل أو مغرور ونحاول جاهدين أن نسايره في منطقه وفهمه فإذا بنا نزيد من غروره وجهله، ذلك لأننا نضرم النار من أجل التدفئة حيث يعشش قشه، فإذا بنا نحرق الأخضر واليابس من حوله فنزيد من ضبابية الرؤية خارج عالمه. إن عالمه مهما زخر بالموجودات من غير قشه فهي أشبه بذلك الحطب المندى، لا تصلح ناره للتدفئة، فأكثرها دخان مزعج للراحة ملوث للبيئة.

إن الجاهل أو المغرور لا يحتاج في الحقيقة إلى تدفئة، بل إلى عزله وحماية نفسك منه، بذلك فقط يضطر إلى التخلص من القش، فإذا هي أرضه مهيأة للغرس من جديد؛ أو إلى إنبات الحقائق على أصولها، فإذا هو حين تنمو كائناته على أصولها يرتقي ليرى نفسه في مواجهة الواقع الذي كان يغطيه بضباب الوهم كلما تجلت أمامه سماء الحقائق وحينها لا بأس من فك العزلة عنه ورفع الحماية عنك.
كثيرا ما أحاور الجاهل  أو المغرور من باب الدليل القاطع والمنطق الناصع، فإذا به يغلق عقله عن نور الفكر فلا يسايرك في منطق، ويغرق فؤاده في وحل الظلمات فلا يتأثر ولا يشعر بدفء الحقيقة. تقول له : ”يا فلان انظر لهذا اليقين!”، فيجيبك : ”وهل أنت أعلم من فلان!؟”. ذلك الفلان لشدة تأثره به اتخذه صنما مقدسا. تحشره إلى زاوية نظره وتقول له : ما رأيك في المسألة الفلانية!؟ ” فيقول : ”هي كذا وكذا…”، فتخرج له ورقة فلانه ”المقدس” بنظرة مخالفة، فإذا به يبحث لك عن تصنيف في سجله الذي لا يحتوي سوى ورقتين سوداء وبيضاء وعليه أن يسمك بصفة من إحداها والتي حفظها عن ظهر قلب من دون فهم أو مراجعة. إنه لا يبحث لك بذلك عن مطابقة، بل إنه حين أخرج لك الورقة السوداء، فأنت ولا شك في نظره هناك موجود ولا داع للتأكد.
لقد وصلت إلى يقين أن أفضل تصرف  معه قبل أن يستفحل فيك داءه ويجرك إلى وحل ظلماته وأوهامه أن تكتفي بعبارة هي أشبه بصرف نظر الصبي عن الاستمرار في ممارسة لعبته المزعجة، فإذا أنت تغير الحديث إلى أمر آخر أكثر ملائمة لشخصه وأقل منافسة لجهله وغروره. أحيانا كثيرة أغلق الباب في وجه الحوار بحيث لا يمكنه فتحه من جديد ولا حتى الاهتداء إلى كيفية طرقه مرة أخرى. إن في بعض العبارات التي تعلمك التجربة والتفكير العميق لسحر وبيان. ومن بين آخر العبارات التي يعجبني استخدامها : ” لا بأس بأن تعد حميرك ما دام من حولك منهمك في تدريب خيوله”. لكنها لا تستخدم إلا مع من تجاوزت معه في الحوار حلقات قبل أن تكتشف بواطن جهله ومطبات غروره. أما إن تعرفت عليه من البداية فليس لك أفضل من كلمة ”سلام” لتعلن بها قبل البدء الختام.

إلى وقت مضى لم أكن أنتبه إلى ذلك الشبه الرهيب بين تصرف الأفراد والفئات في تيار المجتمعات وتلك المياه الجارية في القنوات. إن أسرعها ما أوسط وأبطأها ما انزوى إلى إحدى الحافتين. فلعلك تدرك الآن ما معنى التطرف إلى اليمين وإلى اليسار في المجتمعات. أليس أولئك الذين ادعوا ”العلمانية” وآخرين على نقيضهم ممن ادعوا ”السلفية” هم من دأبوا على جر المجتمع إلى حافة المناهج، فإذا هم يبطئون سيره في كل شيء من أمور الدين والدنيا!؟ إني أصر على كلمة ”الإدعاء” لأن الكلمتين في الحقيقة لهما أشبه في أصلهما بالماس والذهب. أليس العلمانية مشتقة من العلم الذي أمرنا الخالق أن نتخذ منه سببا إلى النفع والقوة في دنيانا لتطويع المادة تلبية لحاجة الجسد الضرورية!؟ فهي أشبه بالماس الذي في حقيقة أصله إلا ذلك العنصر الأكثر تواجدا على الأرض، لكنه لا يأتي في صفته النادرة تلك إلا تحت ضغط شديد ولا يستخرج أو يصنّع إلا بجهد جهيد. أوليس كلمة ”السلفية” في أصلها تعني تناول الأشياء من الأصل والمعين!؟ وليس هناك للروح أروع من أصلها ومعينها وهو روح الخالق فليس لها أنفع من شريعة رب العالمين كما قدمت للبشر من رسل وأنبياء قبل أن يطالها التحريف والتزييف. فهي مثل الذهب أصيلة في معدنها، رائدة في ندرتها، رائجة شديدة في تأثيرها.
إن كلا من العلمانية والسلفية ” المزيفتان” لا ترتقيان في حقيقتهما إلى الأصل والمعين إلا كما يرتقي ورق النبات وزهره لأجل الزينة ينزع من سوقه من غير جذوره ليوضع في أطباق، فإذا هو لا يلبث سوى ساعات وربما أياما على نضارته، لييبس بعدها ويصبح صالحا للنار فقط تحيله إلى رماد أو إلى التراب من حيث أتى يعاد،  لكن أولئك المتمظهرين به سرعان ما يلجئون إلى تغييره كما يغير اللص سترته مخافة أن ينكشف أمره. ولعله ليس من غريب الصدف أن يعير بعضهم البعض بالظلامية والتنوير. والحقيقة أن كليهما في بيئته المزيفة، فيتخيل أحدهما الأشياء أسبابا ويرى الآخر الماء في السراب.

في الأخير والكلام في الحقيقة يطول، تراني استطردت في الحديث عن الجهل والغرور، وعرجت من خلالهما على فئتين طالما عانت منهما أمتنا لتصبح بسببهما فريسة سائغة للعدو الذي مهما تفرقت مجتمعاته وتعددت أطيافه وتلونت مظاهره، فإنما هو علينا ملة واحدة، ولطالما نحن أمة واحدة فهو مهدد وليس له من حل سوى تجزئتنا، لأنه يعرف أن البأس كالسوس، حين يخرج من أصل العصا سرعان ما تصبح واهنة وإن بقت في المظهر على حالها. وعصا أمتنا اليوم يأكلها الجهل والغرور من داخلها. إنهما مثل الجينات المستجلبة حين توضع في الأصل فتغير البرمجة لا تظهر نتائجها الوخيمة إلا بعد مرور سنوات وربما عشرات السنين. لقد أخرجت لنا إضافة إلى بقايا السوس الذي وصلنا من ثغرات الماضي سوستين خطيرتين لا أرى لأمتنا منهما مخرجا إلا بعمل جبار وتضحيات جسام، أو  ننتظر أن تموت أمتنا كاملة لقرون ثم تنفخ في رمادها الحياة، لكن حينها ستكون مؤلفة من آخرين ولن يكون فيها أمثالنا. فطوبى لهم وسحقا لنا، لأننا سنسود يوم القيامة وجه نبينا صلى الله عليه وسلم بحماقاتنا مع بعضنا وتقاعسنا عن هديه في أداء واجبنا، في حين هم سيكونون بهديه نور دنياهم فحق لهم البشرى له في أخراهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *