قصة صاحب النقب…

قصة صاحب النقب…
________
كان مسلمة بن عبد الملك يلقب بفارس بني مروان وقد قضى حياته قائدا مجاهدا في محاربة الروم وفتح الكثير من حصونها، ومنها حصن “عمورية” وقد حاصر القسطنطينية بعدها 12 شهرا، حتى أن جنوده اضطروا إلى أكل الجيف والعظام، فما وهن ولا استكان. وغزا الترك حتى وصل إلى مدينة “باب الأبواب” على بحر الخزر من ناحية داغستان.

Image may contain: outdoor

ومن شدة ورعه وتدينه، أنه حين عاد عمر بن عبد العزيز، الذي لقب بخامس الخلفاء الراشدين، وهو في مرضه الذي مات به أن أوصاه عمر رحمه الله “أن يحضر موته، وأن يلي غسله وتكفينه، وأن يمشي معه إلى قبره، وأن يكون ممن يلي إدخاله في لحده”، ثم نظر إليه وقال : “انظر يا مسلمة بأي منزل تركتني، وعلى أي حال أسلمتني إليه الدنيا” فقال له مسلمة : “هذه مائة ألف دينار، فأوصي فيها بما أحببت”، قال : “أو خير من ذلك يا مسلمة !؟ أن تردها من حيث أخذتها”، قال مسلمة: “جزاك الله عنا خيراً يا أمير، والله لقد ألنت قلوباً قاسية، وجعلت لنا ذكراً في الصالحين”.

والقصة هنا لم تبدأ بعد، إنما العبرة في آخرها.
فمن أعظم وأروع ما شهد أنه حين استعصى فتح حصن على الجنود وقف مسلمة يخاطبهم “أما فيكم أحد يقدِم فيحدث لنا نَقبا في هذا الحصن!؟”، فتقدم ملثم وخاطر بنفسه، محتملا من الأخطار ما لا يجرأ على تحمله عصبة فأحدث نقبا في الحصن، كان السبب في دخول المسلمين منه وفتحه. وقد كان مسلمة حاضرا في الحدث، وقف بعدها مخاطبا جنوده و
كان لا أحد منهم يعرف الملثم، فقال لهم “أين صاحب النقب !؟” فلم يجبه أحد، فقال مسلمة لحراسه وحاجبه “عزمت على صاحب النقب أن يأتي للقائي، وقد أمرت الآذن بإدخاله علي ساعة مجيئه”. بعد فترة جاء رجل ملثم وقال للحاجب “أسـتأذن على الأمير !؟”، فقال له الحاجب “أنت صاحب النقب !؟” فأجاب: “أنا أخبركم عنه، وأدلكم عليه”، فأدخله بعد الإذن على مسلمة، فقال الملثم للقائد “إن صاحب النقب يشترط عليكم أموراً ثلاثة (ليظهر نفسه)، فقال القائد : هاتها!”، فقال الملثم : “ألا تبعثوا باسمه في صحيفة إلى الخليفة، وألا تأمروا له بشيء جزاء ما صنع، وألا تسألوه من هو”. فقال مسلمة: “له ذلك، فأين هو !؟” فأجاب الجندي في تواضع واستحياء : “أنا صاحب النقب أيها الأمير”، ثم أسرع في الخروج.

فكان مسلمة بعد ذلك لا يصلي صلاة إلا ويدعو فيها : “اللهم اجعلني مع صاحب النقب يوم القيامة”.
قد يقول قائل : لو فعل المخلصون ذلك اليوم لما تولى منهم أحد شؤون الناس ولآلت الأمور إلى فساقها. فأقول : نعم ! لكن يومها كان الكثير من أمة الإسلام مخلصون وكان أشدهم إخلاصا من لا يعرفه إلا رب العالمين. كان همهم أمة الإسلام وعينهم على الثغرات لسدها وليس لتوسعتها.
وآخر دعوانا … اللهم اجعل أعمالنا مخلصة لوجهك الكريم واحشرنا مع المخلصين من أمثال صاحب النقب.
______
عمر الحاج (مشاريع رقمية) في 7 رجب 1437 الموافق لـ 15 أفريل 2016.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *