قصة الشريكان

قصة الشريكان… إن الله أخذ حقنا وحقه… (قصة مروية من الواقع).
__________
كانا شريكين كأروع ما يكون الشركاء في المال والأعمال. يقومان بأشغال الحقل كل سنة مناصفة. وقبل أن يقسما المحصول، يعزلان نصاب الزكاة، ناهيك عن حقوق الصدقات، للفقراء والمساكين والسائلين. وكل هذا اصطلح عليه في مجتمعنا تسمية “حقُّ اللهِ”. و قد لاحظا سويا

Image may contain: nature

 كيف أنه كلما كان العطاء وافيا، كان المحصول وفيرا بالسنة الموالية.

لقد عاشا الآية ووعد الله “وَإِذْ تَأَذَّنَ رَ‌بُّكُمْ لَئِن شَكَرْ‌تُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْ‌تُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴿7﴾” – إبراهيم، وحكمة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم “مَا نَقُصَ مَالُُ مِنْ صَدَقَةِِ…” – جامع الترمذي.

في إحدى الأعوام، كان المحصول واعدا، فلم تبخل السماء بمائها ولا الشمس بدفئها ولا الأرض بعطاءها… لقد كان المحصول كثيرا جدا. محصول أذهل الشريكين لحد أنه عندما قاما كعادتهما بعزل حق الله زكاة، بدا لهما أكثر بكثير مما كان في سنوات مضت. إغراء ما بعده إغراء. هنا كان إبليس اللعين حاضرا والفرصة كانت بالنسبة له ذهبية والنفس الأمارة بالسوء طاغية. نظرا في وجهي بعضهما وبدت علامات الجحود والغرور والتنكر “الثعلبية” لحق الله وفضله، ترسم أخاديدها على قلوب طالما رقت لله وحنت على عباده فاستحالت الرأفة إلى قسوة والكرم إلى بخل مقيت.
نظرا الشريكان مرة ومرات في وجه بعضهما نظرة ريبة وتشاور وإعادة حسابات، كان الشيطان فيها ثالثها، وفهم أحدهما رسالة الآخر وعلى الرغم من أنه كان طيب السريرة، إلا أنه كان ضعيف القرار، فقال لصاحبه : إنه حق الله يا أخي !… لا بد من إخراجه. فرد عليه الآخر وكان أكثر حيلة وتأثيرا، إنه حال الكثير من الشركاء في كل زمان ومكان : … نعم يا أخي! لكن أقول في نفسي… ألا ترى أنه كثير وقد تعبنا كثيرا هذا العام… وحبذا لو أجلنا… أو لو عدلنا في العطاء، فربما العام المقبل سيدور علينا الحظ ودائرة العطاء… والاحتياط واجب… وهكذا عددت له نفسه السفيهة وقد لبست وساوس الشيطان، فاستحضرت كل سبب كان يبدو لكليهما وجيها جدا. فسكتت صاحبه، على مضض وهو نوعا ما غير راض … لكن ! يبدو أنه استسلم هو كذلك لوساوس النفس والشيطان وقد أحاطت بالقلب فكدرت صفوه وبالعقل فغيبته. أجلا الشريكان القسمة، بعد أن اتفقا على إنقاص مقدار الزكاة والصدقات.

وفي الليل، ما يعلم جنود ربك إلا هو، أتى أمر الله… عاصفة قوية وسيول جارفة، مرت على المخازن فأخذت معها الأخضر واليابس ولم تبق من المحصول شيئا للشريكين…
خرج المغتر وصاحب الفكرة ليلا ينادي على صاحبه وكله آسف وحسرة، على المحصول الذي ذهب كله وعلى ما فرط في جنب الله وهو يصيح بأعلى صوت : يا فلان ! يا فلان ! … اخرج لترى ما حصل !؟…
تأمل الشريكان وكلهما ندم وحسرة، ثم تنهدا وقال أحدهما للآخر : … يا صاح ! إن الله قد أخذ حقنا وحقه. فلنتب إلى الله ونستغفره.
ولعنا جميعا نقرأ الآية الكريمة التي تروي قصة أصحاب الجنة الذين، هربا من ملاقاة السائلين بحقولهم حين موعد جهاز المحصول، أقسموا على جنيه باكرا، ليتجنبوا الصدقة. فأرسل عليها رب العالمين طائفا نزع ثمره كالصريم أي الشجر الذي جمع ثمره. امتنعوا عن بعض الصدقة فحرمهم الله كل المحصول.
” إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِ‌مُنَّهَا مُصْبِحِينَ ﴿١٧﴾ وَلَا يَسْتَثْنُونَ ﴿١٨﴾ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّ‌بِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ ﴿١٩﴾ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِ‌يمِ ﴿٢٠﴾ فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ ﴿٢١﴾ أَنِ اغْدُوا عَلَىٰ حَرْ‌ثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِ‌مِينَ ﴿٢٢﴾ فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ ﴿٢٣﴾ أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ ﴿٢٤﴾ وَغَدَوْا عَلَىٰ حَرْ‌دٍ قَادِرِ‌ينَ ﴿٢٥﴾ فَلَمَّا رَ‌أَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ ﴿٢٦﴾ بَلْ نَحْنُ مَحْرُ‌ومُونَ ﴿٢٧﴾ قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ ﴿٢٨﴾ قَالُوا سُبْحَانَ رَ‌بِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ﴿٢٩﴾ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ ﴿٣٠﴾ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ ﴿٣١﴾ عَسَىٰ رَ‌بُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْرً‌ا مِّنْهَا إِنَّا إِلَىٰ رَ‌بِّنَا رَ‌اغِبُونَ ﴿٣٢﴾” – القلم.

__________
عمر الحاج (مشاريع رقمية في 10 جويلية 2015) – لا يسمح بإعادة نشرها أو طباعتها من أجل منفعة مالية أو مصلحة خاصة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *