قصة الشيخ واليتيم.

قصة الشيخ واليتيم… ما زال طعم الحلوى في فمي يا عمي… (قصة من واقع الخيال).
___________________

قد دب الضعف في جسده الهرم وعلى وجهه الكثير من تعب السنين وأمارات الأمراض المزمنة وبالكاد يتكلم. هو شيخ كبير، قد وهن منه العظم ولم يعد يقدر على قضاء الكثير من حاجياته الضرورية، يرقد في المستشفى، في انتظار فرج من الله براحة الروح أو عافية الجسد.

Image may contain: 1 personكان يجلس إلى جانبه شاب في مقتبل عمره، تبدو عليه الطيبة والصبر وحسن الصحبة. كيف لا وهو الذي يراه الجميع كل يوم يأتي لخدمة والده، فيجلس معه لأكثر من ساعة، يساعده في طعامه وشرابه وقضاء مآربه الضرورية : يقوم بمساعدته في الاغتسال والمشي في حديقة المستشفى، يلاطفه حينا ويحاكيه حينا أخرى. وحين يطمئن عليه، يعود إلى دياره وأشغاله… كانت تبدو عليهما علامات السعادة كأروع أب وابن… وهل يوجد أعظم من البر بالوالدين بعد طاعة الله سبحانه وتعالى!؟ أو هكذا كانوا يقولون في أنفسهم ويعتقدون!

دخلت عليه الممرضة وقد لاحظت يوما ما، بعد أن اكمل الشاب زيارته، تلك السعادة التي كانت بادية على وجه الشيخ وذلك الشاب الطيب يخدمه بصدق ويسليه بكل ما أوتي من أدب الحديث وطيبة السريرة. فطمأنته على صحته وقالت له : ” ما شاء الله يا حاج… الله يحفظ لك ابنك أو حفيدك. كل يوم يزورك ليخدمك ويخفف عنك… بحق لا يوجد في هذا الزمن أمثاله… هم قليل أو نادرون…”. نظر إليها الشيخ وقد أوقف خلسة بضعة دموع تكاد تخترق بحرقة عينيه المغمضتين وتنساب على وجنتيه. تمتم بين شفتيه كلمات لا يكاد أحد يسمعها “ليته كان ابني…ليته كان…!؟”… ثم تشجع ومسح عينيه بأطراف كفيه واتكأ على جنبه، كأنه يريد أن يقول شيئا في راحة وبانصاف… ثم القى نظرة عفوية نحو الممرضة وطأطأ رأسه في لحظة اعتراف ورد للجميل وقال : يا ابنتي، كان هذا منذ زمن! هو ليس ابني وليته كان! … إنه يتيم من الحي الذي كنا نسكن فيه، من زمن. رأيته يوم وفاة والده، يبكي بحرقة عند باب المسجد. هدأته، مسحت على رأسه، ثم اشتربت له حلوى… ولم أحتك به منذ ذلك الحين، إلا أن أصادفه فيرمقني بنظرة كأنه ينظر إلى والده أو يشتاق. كان يقف لفترة يرمق في شكلي ومشيتي إلى أن أغيب عن ناظره، ثم يعود للعب مع أقرانه. لم يكن يقول شيئا ولم أكن أبادله سوى شبه ابتسامة، فيبادلني بأخرى كلها إشراقة وجمال،لا يمكن وصفهما.

مرت سنين. كبر الشاب وتعلم وصار عنده بيت. وكان دائما يسأل عني وعن أحوالي. وقد علم بوحدتي أنا وزوجتي، فكان دائما يزورنا بالبيت ويتفقد أحوالنا، إلى أن صرت إلى ما أنا عليه والحمد لله على كل حال. فأتى بي إلى المستشفى للعلاج وأخذ زوجتي عنده إلى بيته وهو كما ترين لا يفتر من خدمتنا، أنا وزوجتي. والغريب يا ابنتي، أني عندما كنت أسأله : لماذا تتكبد كل هذا العناء معنا يا بني!؟ فيجيبني وهو يبتسم : … ما زال طعم الحلوى في فمي يا عمي…

ما أروع الوفاء … ورب ابن لم تنجبه ولم تربيه.
فبروا بضعفاءكم، لعل الله يكتب لكم البر بوالدين لم تحضوا بخدمتهما.

مشاريع رقمية (عمر الحاج)… القصة مستوحاة من واقع الحياة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *