من ذكريات الجامعة… كلمة شكر وعرفان في حفل تكريم.

كلمة شكر وعرفان خلال الحفل التكريمي للنواب السابقین لمدراء جامعة حسیبة بن بوعلي بالشلف
لیوم الخمیس 19فیفري 2015
باسمي ونیابة عن زملائي الحضور أتقدم من صمیم القلب بالشكر الجزيل لصاحب المبادرة الطیبة ولكل من ساھم في إنجاحھا. لقد تأثرنا عمیقا وبحق بھذه الالتفاتة الطیبة التي سنعتز بھا دائما ونفتخر، بل ونعتبرھا رصیدا في حیاة مضت وكاد يلفھا النسیان بفعل تسارع الأحداث. لقد أطلقت لمخیلتي العنان لتتجول في أغوار النوايا وأسرار الأفكار فلم أجد لھذه المبادرة سوى الإخلاص في عالم الأفعال والترفع عن مستوى المصالح الضیقة… وإن كانت كل مصلحة تصب في رصید العلم ھي أقدس من ھدية لأجله.
حینما عرض علي ھذا المنصب أول مرة لا أنكر مدى تخوفي منه بقدر حبي للمغامرة فیه. ولعل لكل منا قصص غريبة وعجیبة مع المسؤولیة، خاصة حین تتعامل يومیا مع مختلف الأصناف من الناس. ومن بین ما أتذكر، لیلة تعطلت سیارتي في عز الشتاء بإحدى الأماكن المخیفة أيام المحنة. تقدم مني أحدھم وكان يبدو علیه مسئولا في منصب ما وقال لي : افعل الخیر يا عمر ! شكرته يومھا واستغربت تلك النبرة الغريبة التي كان يكلمني بھا. لقد كانت أقرب إلى العتاب منھا إلى النصیحة. مر الزمن والتقیت بأحد الشھود… سألته عن معنى تلك العبارة فقال لي : لقد قال لنا في غیابك أنك لم تقضي له مصلحة. لم أتذكر أبدا زيارته ولا مطلبه رغم أنه من النوع الذي لا ينسى! لذلك لم أعر لتلك الكلمات انتباھي… وحمدت الله أني لم أكن لأمیز بین مصالح الناس… إن ھذا المنصب أمانة. وحادثة أخرى، أتذكر أن أحدھم وكان كبیرا في السن، رفض الخروج من مكتبي ولو بإحضار الشرطة إلا أن أمضي له طلب تحويل لابنه من الجامعة، كنا نصنفه يومھا في خانة الممنوعات بسبب ھروب الطلبة من الاختصاص. كان علي خرق الأوامر… إن ھذا المنصب مسؤولیة.
ربما ما كان يمیز العمل بھذه الجامعة أن الأنظار كانت موجھة لـحل المشاكل أكثر منھا انتظارا للتطوير. لم يكن بالید حیلة. لكن ما تعلمنا ونريد كل مناسبة أن نوصله لكل من أسرته المسؤولیة بسرابھا أو أوقعته في أشراكھا أن ينتبه إلى ثلاثة أمور مھمة ويعمل على إنشاء الآلیات المناسبة لتحقیقھا :
1. توزيع المسؤولیة على الجمیع للتفرغ لأھمھا؛
2. التنبؤ بالمشاكل لكبح نموھا ثم عزل بذورھا لتفادي نموھا من جديد؛
3. ترك بصمة ممیزة باستحداث آلیة أو إدخال إصلاح أو إنشاء مشروع لا تغیره الأحداث ولا تعاقب الأشخاص.
إن الناس الذين تتعامل معھم يومیا وتقوم على خدمة مصالحھم، لن يعیروا أبدا اھتماما لما تعانیه أو ما أنت متقید به من قوانین أو لوائح أو بروتوكولات. كلھا بالنسبة لھم وسائل ومظاھر، إن لم يجدوا من نتائجھا ثمارا يانعة في متناول أيديھم فإنما ھي في نظرھم مطرقة تتلو ضرباتھا على حديد قاس وبارد، لكنھم بالمقابل ھم أكثر احتراما لمن ھم أكثر وفاء بالتزاماتھم. لذلك فإن فھم الآخر بمعرفة كیفیة الاقتراب منه مع مراعاة مستواه والإحاطة بعقله من غیر تقیید حريته ثم توجیھه بالاختیار لا الجبر، سیكون أنفع وأفضل وأكثر مردودية. إنك بذلك ستكشف للكثیر التابع ممن يقفون وراء القلیل المسیّر طريقا سیبدو لھم أكثر حرية وأفضل حكمة وأوفر أمنا.
إننا نتعامل الیوم مع جیل من الطلبة أكثر تحررا في أفكاره وأحوج وعیا في التعامل مع ما وضع في متناوله من وسائل مجانیة، الخطیر منھا أسھل استخداما من النافع.
دعونا نوجه جھودنا لإرساء ثقافة الجامعة أكثر من العمل على تطبیق نصوص قوانین جافة. ولنعرض ھذه الأخیرة على شاشة الفوائد والردع قبل أن نضعھا على طاولة الحساب والعقاب.
لقد مرت جامعتنا بتاريخ مشرق على الرغم من نموھا القلق والسريع في سنوات وصفت بالعصیبة والمريعة. ولعل خیر دلیل على إشراقھا تلك النجوم اللامعة في سماء الحیاة العملیة، حیث أينما توجھنا وتجولنا وفي أي قطاع من الحیاة العملیة وجدنا ثمارا طیبة تشھد بخیر ما قدمه أساتذة أخلصوا عملھم لخدمة العلم وطلابه. وأيا كان ما تحملنا من مسؤولیة وتحت أي ظرف كان فإنما نحن حلقات من سلسلة نتمنى أن تطول دون انقطاع وتصبح أكثر متانة وأشد إشراقا، بل ونريدھا أن تلف الجامعة والمجتمع بروعة أمنھا لا بلوعة قیدھا.
وأختم مقالتي بخلاصة كنت أقدمھا دائما كنصیحة لكل مسئول بجامعتنا : إن أي مؤسسة تحتوي ثلة من المخلصین الذي لیس علینا أن نراقبھم ولا حتى نكافئھم، بل إن مجرد توفیر الوسائل لھم ھو بحد ذاته تشجیع ومكافئة، كاف لجعلھم يخرجون من الرماد والجماد الحیاة والحیوية والنشاط؛ وفئة كبیرة من العاملین وإن كان لھم میل للملل والركود والاستكانة للواقع المثبط، وجب علینا مراقبتھم وتذكیرھم كل مرة بواجبھم المقدس من دون أن نثیر فیھم حفیظة العتاب أو نلوح لھم بسیف العقاب، بل فقط التعامل معھم بحزم مع مراعاة ظروفھم من حیث نجدد فیھم العزم. لم يبق سوى تلك النسبة الضئیلة منھم. وھنا وجب الإشارة إلى أنه لا يوجد في معادن الأرض الصافي النقي. دعنا نستخدم بكل مسؤولیة ومن دون تھور معھم ما وضع بین أيدينا من وسائل إصلاح وردع وعقاب. رغم ذلك لا ننتظر منھم سوى الاعوجاج فدعنا على الأقل، بعناية ومن دون ضجة، نشق له طريقا نحو مكانه اللائق به.
مرة أخرى شكرا جزيلا على ھذا التكريم والتواصل. أعتقد أن الجمیع ھنا، أكان في منصب بالإدارة أم أستاذا بسیطا في مجال اختصاصه، يعتبر نفسه جنديا وفیا يضع نفسه بكل جھوده وتجاربه في متناول كل المبادرات الرامیة للنھوض بالجامعة والارتقاء بھا إلى مصاف الريادة والقیادة.

عمر الحاج في 2015/02/19

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *