بياناتنا المنسية… ونقطة الانعطاف الاستراتيجية.

بياناتنا المنسية… ونقطة الانعطاف الاستراتيجية.#قاوم_لتبقى_وفكر_لتعيش…
كثيرة هي البيانات التي تجمعها أجهزة الدولة من أجل استغلالها في أخذ القرارات السليمة، منها خاصة حوادث المرور، الكوارث الطبيعية، الصحة والسكان، حالة الطقس والتغيرات المناخية، االنتائج الدراسية، … لكنها للأسف تبقى في أكثرها مجرد قواعد معطيات للبحث عن المعلومة الظاهرة وأكثرها يغادر مفعوله في الأرشيف… لم أكن إلى وقت قريب أولي أهمية لتلك المعطيات في شكلها الخفي إلى أن اضطررت في أحد السنوات أن أدرس مقياسا بالجامعة يسمى “معالجة المعطيات”. رغم أن المادة العلمية تعتمد أسس الإحصاء، إلا أن الكثير من أسسها لم يرى النور سوى في سنوات السبيعينات. ومما راعني في بعض تفاصيل أدواتها، كيفية استخراج المعلومة الخفية أو المعطيات المركبة التي تتحكم في الظواهر الإحصائية. لكن على الرغم من ذلك فإن تلك الأدوات لا تزال قاصرة لتستخرج المعلومة الخفية، التي عادة ما نطلق عليها “الصدفة”. لقد أثبتت التجارب أنه ما من صدفة تحدث من دون وجود “ضعف” أو “قوة خفية” هي أشبه بالشرخ الخفي أو “العيب الخلقي”. إن ذلك العيب الذي لا نكاد نلقي له بالا، هو في الحقيقة مثل ما قال أحدهم “الضرر مثل الشيطان، غير مرئي، لكن أثره رهيب”. في المواد كما في المجتمع، تمر علينا حالات غريبة عجيبة. ففي الفيزياء مثلا، نسمع عن ظاهرة انفجارات، ما كانت لتحدث بعد كل تلك الحسابات في التصميم، لكنها وقعت!… السبب بسيط : لم يكن سوى ظاهرة خفية أو صفة خفية، لا يمكن التنبأ بوجودها إلا بعد حدوثها. سآتي بمثال بسيط يعرفه الجميع وهو غرق باخرة “تيتانيك” المشهورة والتي تعد أول باخرة تعتمد تقنية “الغرف المعزولة” التي تمنع التسرب السريع للمياه في حالة الضرر. لقد قال صاحبها بعد الاطلاع على التصاميم والتجارب بغرور “حتى للرب نفسه، إغراقها ليس في الإمكان!”. لم يكن ذلك التحدي يحتاج إلى معجزة لكسره، بل كانت مجرد ظاهرة لم يكن المهندسون يعرفون عنها شيئا من قبل. إنها خاصية المادة تحت درجات الحرارة الشديدة الانخفاض. لم يكن أبدا يطرأ على أذهانهم أن الحديد الصلب يصبح مثل الزجاج في المناطق القارسة البرودة. ضف إلى ذلك ظاهرة أخرى وهي خارطة تحرك الجبال الجليدية عبر البحار والمحيطات. ظاهرة فيزيائية أخرى لم تكن معروفة من قبل وهي “الرنين” في الاهتزازات إلى أن حدث انهيار جسر بعد أن مشى عليه جنود من الحرب العالمية الأولى بتواتر معين، لم تكن الحسابات يومها أبدا قادرة على التنبأ بحدوثها. ولنأتي إلى الظواهر الاجتماعية التي في الحقيقة نحن حاليا نتخبط فيها وكأننا في دوامة، لم تعد أبدا وليدة “الصدفة”، بل أصبحت علما قائما بحد ذاته. لعل القليل سمع عن ما يسمى “نقطة الانعطاف الاستراتيجية”. هذه الظاهرة يمكن أن نطلق عليها “الهزاز الاستراتيجي”. النظرية تقول “إن الفترة الزمنية الموجودة بين نقطة الانعطاف، التي نعينها بشكل عشوائي على خط الزمن، وبين استعادة الوعي طويلة، بما يكفي لاكتساب تصرفات جديدة تحت طائلة عنصر خفي يتطور ببطئ شديد إلى أن يشغل تفاعلا متسلسلا لا يمكن التحكم فيه”. أذكر قصة حدثت يين جارين، حيث طلب أحدهما من الآخر تقليم أو قطع شجرة كانت تسبب لها مشاكل، فرفض الجار ذلك وتجاهل الحاحه في الطلب. فلم يكن يكفي من الآخر سوى حيلة بسيطة كانت كافية لتحقيق طلبه من دون خصام. فقد قام بافراغ قارورة من حمض خاص لا لون له ولا رائحة، لتبدأ الشجرة في الذبول بعد مدة معينة. فما كان من صاحبها إلا زيادة الرعاية في سقياها مما تسبب في تسريع يبسها، دون أن يدري ما حدث لها. لقد كان الحمض يتسرب إلى عروقها كلما قام بسقيها إلا أن وصل الأمر إلى موتها بالكامل. لعلكم الآن تدركون سبب سلوكيات البشر الغريبة مثل فقدان العقل والانتحار، حيث تطالعنا الصحف يوميا بأخبار صادمة، لأشخاص عهدنا فيهم التدين والخلق الرفيع والاتزان، فإذا بهم في لحظة ضعف ينتحرون. كثيرا ما نوعز الفعل إلى “لحظة ضعف” أو هكذا يقول خبراء النفس، أليس كذلك!؟ إنهم في رأيي بشكل ما هم يشرحون الأمر بشكل خاطئ أو لنقل “ناقص”! في الحقيقة هي ليس لحظة ضعف بل نقطة “انعطاف” لا أحد من أهله كان ليتفطن لها، لأنه ببساطة كان يتجاهل إشارات خفية تتطور ببطئ، سرعان ما وصلت إلى تلك النقطة. ذلك العنصر الخفي البسيط كان يفعل فعله في عقل الشخص من كل الجوانب إلى أن وصل به إلى القرار الرهيب. نفس الشيء يحدث في السياسة وبشكل رهيب جدا وخفي جدا، حيث لا يكاد يتفطن له الكثيرمن العقلاء وحتى الخبراء. أليس جميعنا مفتون ومنبهر من تلك المساعدات الإنسانية التي تقوم بها منظمات حكومية وغير حكومية لنكتشف بعد فترة طويلة، وقد لا نفعل، أثرها العميق في التحولات الثقافية للمجتمع بما يجعله يتقبل أشياء كان يرى فيها من قبيل “الخراب والدمار”!؟ أليس جميعنا ينساق بسرعة إلى تغير الأحداث وتسارعها بالشكل الذي يجعله ينسى ما قبلها!؟ أليس الكثير منا كان يسمى ما يحدث في أوطاننا العربية وبشكل مقتضب في الأوطان الغربية “جهادا”، سرعان ما تحول الإسم إلى “إرهاب”!؟ لا أحد يذكر “نقطة الانعطاف” أليس كذلك!؟ لأن زمن “استعادة الوعي” كان طويلا جدا! لقد كان الكثير في “غيبوبة” فكيف يذكر “الأحداث” ويربط بينها!؟ لعل الجميع كان يتابع باستغراب وربما بتشف أو غيض وسيلة جديدة لتغيير الأشخاص أو تلويثهم وهي “التسريبات” التي أتت بعد الثورات الأخيرة ببعض البلدان العربية. بعضها أطاح بقامات، بعضها جاء متأخرا، وبعضها لم يزد في الأمر سوى السوء كما هو الحال ببعض أروقة الفساد بالدوائر السياسية. هل فعلا كان هؤلاء مغفلون أو فعلا مؤمنون على “خصوصياتهم” أو “سرية تعاملاتهم” وحدثت خيانتهم!؟ هل فعلا هم متورطون أم أن الأمر مجرد تعاملات عادية فرضتها “أجندات عالمية”!؟ هل لتلك التسريبات التي ترقى إلى “الفضائح الرهيبة” أثر عميق على المدى البعيد بما يجعل “نقطة الانعطاف الاستراتيجي” خطيرة جدا على مستقبل بلداننا وهويتنا!؟ لا شك أن هناك نقاط انعطاف كثيرة، نحن اليوم في غيبوبة عن إدراك كنهها، وربما سيكون لها الأثر الوخيم على مستقبل أجيالنا!؟… ليتنا نعرف فقط ذلك العنصر الخفي الذي يتطور ببطئ قبل أن يصل بنا إلى نقطة “الانعطاف” فربما يمكننا انقاذ ما يمكن انقاذه. إنها حرب معلومات واستخبارات يقف الكثير منا موقف المتفرج منها… لا نملك نحن كشعوب مغلوبة على أمرها وربما ساذجة بشكل رهيب إلا أن نردد جزء الآية الكريمة “… وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30)” – الأنفال.
وأنا بصدد إتمام هذا المقال بشكل أسرع مما أردت أن يكون، لا أنفك أستعرض بذاكرتي أمورا تحدث على أسماعنا وأمام أعيننا، قد لا نجد لها كثير أهمية في زمنها، سرعان ما نحاول ربطها بأحداث مضى عليها زمن طويل فنجد أن الرابط عجيب، لكنه واهن في الذاكرة الجماعية. ستكون الشاهد الوحيد على حقيقة جريمة أحكمت مثاليتها، بل لا يمكن يمكن عرضها على أي عدالة أرضية، فهي بلا شهود ولا وثائق. لعل أهم الجرائم تلك تحدث خلال الأحداث الدامية والمريعة، مثل الحروب والكوارث والأزمات، فاللجوء السياسي، والتغرب وتدخل الجمعيات الخيرية وحتى برامج الإدماج والمنح الدراسية ومنح التكوين، لم تكن أبدا عمليات عفوية بريئة واعتباطية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *