يوميات_بائسة… “إحالة على المفتي”.

#يوميات_بائسة… “إحالة على المفتي”… للسنة ربما الرابعة أو الخامسة، استدعى من طرف إدارة القسم لإجراء امتحان السداسي الأول والثاني (أي السنة الأولى) لطلبة هم يزاولون اليوم دراستهم بالسنة الأخيرة من التكوين للمرة الثانية أو الثالثة بالاختصاص المعني. والسبب أنها مقاييس “ديون”، لم يفلح الطلبة المعنيون من الحصول على المعدل المطلوب. وقد حدث لي معهم كما حدث لغيري من الزملاء الأساتذة العجب العجاب، فقد نسي هؤلاء الطلبة أدنى مبادئ المادة، بل أدنى مبادئ المنطق الرياضي والفيزيائي للمسائل، بل أكثر من ذلك انعدام كلي للرغبة في التلقي، فهم يرون أنفسهم معلقين بين شهادة هي قيد الاستلام وبين “ديون” التخلص منها ضروري للحصول على الشهادة. قمت بتحضير امتحان كالعادة، وتهيئة كل الأجواء للطلبة كي يتخلصوا من عقدة انغلاق العقل والتفكير، بل ذهبت إلى أكثر من ذلك، فقد كان الامتحان أسئلة بسيطة جدا مدعمة بتوجيهات وتوضيحات، هي أشبه بخارطة طريق إلى الحل… لكن كل ذلك دون جدوى! وأصبحت متأكدا أني لو سلمتهم طريقة الحل المفصلة ما انجز منهم أحد الحساب بشكل صحيح. ضف إلى ذلك أن بعضهم إن لم نقل جميعهم، يريدون أن يتخلصوا من ورقة الإجابة في ثلث الزمن المخصص للامتحان. لقد أصبح الامتحان بالنسبة لهم “عقابُُ” يتلقاه مُصرُّ على عدم “الاعتراف” من عنيد حريص على انتزاعه. المهم… في الأخير تحصلت على “أوراق إجابة” وصححتها بـ”احترافية بالغة”… ملئت المحضر، وذهبت إلى رئيس القسم مسلمه إياه والأوراق، فقال لي : وما ذاك!؟ قلت له : هذه آخر مرة، بعدها تحال أوراق المعنيين على المفتي! ومن لا يعرف معنى “إحالة المعني على المفتي”، فهو أسلوب قضائي مشهور عند إخواننا المصريين، وهو أنه عندما يرتكب المتهم جرما عظيما يستوجب “الإعدام”، تحال أوراقه على المفتي لأجل الدعم الشرعي للحكم القضائي قبل “التنفيذ”. أعرف أنه في ظل الظروف اليومية التي يعيشها المواطن العربي ومشاهد الإحباط التي نغرق فيها جميعا من دون أمل بزوالها يلوح في الأفق القريب، فإنه سيكون أكثر من قسوة أن نحيل طالبا قضى سبع سنوات من عمره أو أكثر بالجامعة إلى الشارع من دون شهادة، لكن أن نتركه يستمر في تحطيم حياته وتسميم محيطه بذلك الشكل المؤلم من دون أن نضع حدا لذلك الكسل وتلك الرداءة، لهو أكبر من جريمة في حق الطالب والجامعة والمجتمع.
خلال هذا الأسبوع اطلعت على تفصيل من قانون جديد يخص عدد التسجيلات المسموح بها في تكوين الليسانس، حيث لا يحق للطالب سوى خمس تسجيلات عادية وسادس بشروط. وحين يصمت القانون، تبدأ المشاكل والاجتهادات العمياء. هنا يصبح الطالب رهينة الانتظار والمعلومة المشوشة وحتى الابتزاز من طرف مريضي النفوس.
شيء واحد ووحيد أراه مخلصا للجامعة والمجتمع على حد سواء وهو إلغاء التوظيف على أساس الشهادة الجامعية وتهيئة ظروف التوظيف على أساس الكفاءة؛ ولست أراها بالمستعصية ولا المجحفة، فنحن لسنا أفضل من أول بلد متقدم في كل الميادين وهو بريطانيا التي بها أولى وأعرق الجامعات الغربية، وهي أول ظهرت به الثورة الصناعية، ثم امتد إلى باقي البلدان. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *