زرع الكريم يؤتي أكله أضعافا…

زرع الكريم يؤتي أكله أضعافا…

Image may contain: plant

على غير عجل وأنا أسير في سيارتي إلى العمل أبصرت شيخا على الطريق، فقلت لعلها رفقة مفيدة. إنه يوم متميز بأول الغيث، فكان أول ما بادرته الحديث عن شح المطر، فوجدت الرجل أكثر قناعة ويقينا بالله، قال لي : الحمد لله، هذا أول الغيث وسيأتي الخير مع القادم من الأيام. ثم أضاف : أتدري!؟ لقد كان في مضى من زمن، كنت فيه طفلا، أتذكر جيدا أن السنابل كانت تنبت بعد موسم الحصاد وهي في قطفها، وربما نحصد مرتين أو ثلاث في نفس السنة ومن نفس الغرس الأول. تعجبت من الأمر وإن كنت أتذكر شيئا من ذلك في زمن طفولتي. كنا نسميه “بومخلوف”، يعني ما يخلف الزرع بعد أن ينبت الحب من جديد، إما من سنبله أو من سوقه بعد الحصاد من هطول مطر ربيعي وصيفي يحفز النبتة على أن يعود لها اخضرارها. ثم حكا لي قصة عجيبة، حدثت في زمنه، قال : Related imageكانت أيام الاستعمار الفرنسي وسنون مجاعة، وكانت الناس تزرع، لكن الوسائل قليلة وضئيلة والناس لا حول لها ولا قوة. فلم يكن التعامل يومها سوى بالمقايضة والنقود تكاد تكون معدومة. في إحدى القرى الريفية، كان أحد الرجال له زرع يوشك على الحصاد، فكان يمر على حقله ويلاحظ أنه سرق منه حصادا قبل الأوان. فعزم أن يراقب الأمر ويعرف من وراءه. وذات يوم ركب فرسه وأتى حقله، فإذا به على رأس مجموعة من الرجال يحصدون منتوجه، غير آبهين به، حتى أنه لما ألقى عليهم التحية ما رد منهم عليه أحد، لكنه لم يشأ أن يفتعل معهم شجارا، وآثر المراقبة والحذر، ربما خوفا من بطشهم أو إشفاقا عليهم، فالله أعلم بخائنة الأعين وما تخفي الصدور. لقد كان يعرف قسوة المجاعة وقهر الرجال…
مر الخريف على القرية بحلوه ومره، وذات يوم وهو يعمل كما كان دائما في مقهاه المتنقل بالأسواق الأسبوعية. كان يومها يجلس الناس على الحصير، فلا وجود لكراسي ولا طاولات… إنه زمن البساطة الرائع الجميل. وإذا به وهو منهمك في العمل يرى قوما لا يعرفهم، لا يغادرون الحصير، على كثرة الرائح والغادي، وهم تارة ينظرون إليه وتارة يشتغلون مع بعضهم بالحديث، إلى أن شارف السوق على الانفضاض، فسار نحوهم على حذر، سائلا حاجتهم، فقالوا له : ربما لم تعرفنا! فنحن الذين كانوا يأخذون من حصادك الموسم الفارط، وقد أتيت فألقيت علينا السلام ولم نرد… صمت لوهلة وربما تمتم بكلمات من قبيل تذكريهم بأنه قد نسي الأمر ملمحا بإجابة تعني لا تثريب. ثم أضافوا : لقد أجمعنا أمرنا بعد أن فتح الله علينا أن نرد لك ما سرقناه منك، فهلا أفدتنا بحوصلة ما أخذناه منك فنرده مكيالا أو أشياء أخرى بالمقابل!؟ فضحك من أمرهم وربما تملكه السرور والعجب من فعلتهم، ثم قال لهم في لهجة القانع المتوكل على الله : يا جماعة، لقد حصدت من وراءكم مرتين، فالزرع الذي حصدتموه خلف من سوقه ضعفين، والحمد لله رب العالمين على نعمته ورزقه. لن آخذ منكم شيئا وليس عليكم مني في الأمر تثريب، فأنا أعلم قسوة الظرف، لكن موقفكم هذا زادكم عندي إكبارا واحتراما. أنتم الرجال بحق، أكرمكم المولى وستر حالكم.
وهو يسرد القصة، تذكرت وحضرني إيمان وفهم الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حين جمد تطبيق حد السرقة عام الرّمادة. إن هذا الدين فهم وحكمة وليس مجرد اتّباع ونقل للنصوص.

عمر الحاج، في 14 نوفمبر 2017.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *