هدية إلى أختي في السماء (قصة من الواقع)!

هدية إلى أختي في السماء (قصة من الواقع)!

هذه القصة، كأني بها حقيقية وإن لم تكن فإنها واقعية وكثيرة هي الأحداث التي يتسبب فيها المتهورون في غفلة الضمير وغياب العقل ولا يدري هؤلاء أنهم قد يغيرون تاريخ أسرة كانت تعيش في أمن وسلام إلى مأساة.

هي قصة أحكيها بأسلوبي على لسان من يرويها.
يقول صاحبنا :
كنت أتجول في رصيف للتسوق كبير، يعج بالمارة وقد لا يدري أحد بقصة أحد. فربما منهم من أتى وليس في جيبه ما يسد رمقه وربما بات ليلته مع أسرته دون عشاء أو لعل بعضهم تبدأ قصته هناك وأخرى تنتهي… وأنا أتجول، قلت في نفسي لعلي سأعيش أحداث قصة منها، عندما رأيت بائعاَ يتحدث مع صبي لا يمكن أن يكون قد تجاوز الست (6) سنوات . وأنا أقترب لأرى ما يجري عن قرب، سمعت البائع يقول : ” أنا آسف، النقود التي معك ليست كافية لشراء الدمية العروسة !”
ويرد الصبي في ثقة يعجز عن إحضارها البالغ المجرب : “أنت متأكد أني لا أحمل المبلغ الكافي لشراءها !؟”
عد البائع النقود مرة أخرى…’’ أنت تعرف يا بني أن النقود التي معك غير كافية لشراء العروسة”، يقول البائع وهو يمد يده لاسترجاع الدمية من الولد والصبي لا يزال ممسكا بها على أنه سيشتريها.
رق قلبي لحال الولد وأنا أعرف أن البائع يقول الحق فمشيت نحوه وسألته : “لمن تريد شراء العروسة يا صغير !؟”. فرد : “هي لأختي التي أحبها كثيرا بمناسبة عيد ميلادها، لكني لا أستطيع أن أوصلها إلا عن طريق أمي وأخشى أن تذهب بدونها… هي الوحيدة التي يمكنها أن تزورها ربما عن قريب كما يقول أبي…”. كانت نبرة البكاء توقف حروف كلماته بين عبارة وأخرى وعيناه حزينتان جدا … ثم يسترسل وكأنه يعرف أنه لا يمكنني معرفة ما يعنيه، فأكمل ” أختي ذهبت لربنا .. وبابا يقول أن ماما ستلحق بها قريبا، فقلت … أسلمها العروسة لتوصلها لأختي …’’.

توقف قلبي تقريبا فلم اعد أسمع دقاته وكدت أجهش بالبكاء وإن خانتي بضع دموع، سرعان ما التفت ومسحتها كي لا أصعب من حالة المسكين… حينها، نظر الولد إلي وكأنه كان يرى في وجهي علامات تجعلني أفضل معين له على تحقيق ما يتمناه قبل أن تغادر أمه الحياة، في اعتقاد منه أنها ذاهبة حقا للقاء أخته، وقال لي : “… قل لبابا يقنع ماما أن لا تذهب عند ربنا قبل ما أصل ومعي العروسة… ليجعلها تنتظرني حتى أعود من السوق… في إمكانك عمي… أليس كذلك !؟ … رجاء !” ثم أخرج من جيبه صورة جميلة جدا له وهو يضحك وقال لي “… وأريد من ماما أن تأخذ الصورة لأختي كي لا تنساني… لكني رغم أني أحب ماما ولا أريدها أن تتركني وحدي، لكن أختي في حاجة لها أكثر مني لأنها ذهبت وحيدة … وتحتاج إلى عناية… هكذا يقول أبي عندما أترجاه أن تبقى معنا” … ثم ينظر مرة أخرى إلى العروسة بعيون حزينة … والبائع يكاد يسترجعها منه.
أخرجت في غفلة منه مقدار ما يحتاج ويزيد من النقود وقلت للصبي، “ناولني ما معك … هلا نعد ما معك مرة أخرى ونرى إن كان يكفي أم لا لشراء العروسة !؟’’، فرد علي “ولما لا… هيا نعدها مرة أخرى… !” وهو يقول بصوت خافت لا يكاد يسمع لكنه مفهوم ويكرر … “… يا رب يكون معي ما يكفي… !”… أخذت النقود من يده وأضفت ما عندي دون أن يراني الصبي وبدأنا العد مرة أخرى… كان هناك ما يكفي لشراء الدمية… ويزيد.

عندها رفع الصبي يديه، قائلا : “شكرا لك يا ربي أنك جعلت ما معي من نقود تكفي لأشتري العروسة لأختي”… ثم نظر إلي وأضاف “البارحة، دعوت قبل أن أنام أن يجعل ما معي من نقود كافية لشراء العروسة، لأعطيها لماما قبل أن تسافر عند أختي… الحمد لله أن ربي سمعني… أردت أن يكون معي أكثر من مبلغ العروسة، لكن خفت أني كنت أطلب حاجات كثيرة من ربي… لأني كنت أريد شراء وردة بيضاء كذلك… لكن الحمد لله… ربي عرف ما في نفسي وأعطاني ما يكفي لشراء الوردة… لأنه ماما تحب الوردة البيضاء كثيرا… وكان لا بد أن أهديها شيء من عندي تحبه قبل أن تغادرنا”.

انتهيت من التسوق في حالة مرتبكة تماما ودموع الحزن لا تغادر مقلتي وصورة المسكين وحالته مع أسرته التي يبدو أنها تعيش مأساة حقيقة لا تغادر مخيلتي. لم أتمكن يومها من إخراج الصبي الصغير من ذهني.
عدت إلى المنزل وتناولت صحيفة الأخبار التي كانت بغرفتي منذ يومين واسترعاني بها خبر تذكر فيه الصحيفة أن رجلا كان يقود شاحنة وهو في حالة سكر صدم بسيارته امرأة شابه برفقة فتاة صغيرة. وقد توفيت الفتاة على الفور، أما الأم فقد كانت حالتها حرجة وكان على طاقم المستشفى أن يخيروا الأسرة أو ما تبقى منها بشأن اتخاذ قرار نزع أجهزة الإنعاش عن الأم لأنها كانت ميتة إكلينيكيا، حيث أكد أحد الدكاترة أنها لن تعود من الغيبوبة … إلا بمعجزة… كانت هذه عائلة الصبي الصغير.

بعد يومين من لقائي مع الصبي الصغير، وأنا أقرأ الصحيفة، تقع عيني علي خبر وفاة المرأة … اغرورقت عيناي بالدموع ولم أستطع التوقف عن التفكير بمصير المسكين وهو يودع أمه، فنزلت لشراء مجموعة من الورود البيضاء وكان كل ذلك بعفوية فأنا أعلم أن ذلك لن يغني من الأمر شيئا… ذهبت إلى الجنازة حيث رأيت كفن المرأة الشابة والناس حولها يدعون لها قبل أن توارى التراب.

كانت هناك، في نعشها، ووردة بيضاء جميلة مع صورة الصغير والعروسة وقد وضعت على صدرها. تركت المكان والدموع تنهمر من عيني وشعرت مع الموقف الحزين أن حياتي ستتغير إلى الأبد …

الحب الذي كان يحمله الصغير لأمه وأخته لا يزال يلهم مخيلتي كلما رأيت أسرتي أو فكرت في أسر أخذها الموت بسبب أم الخبائث أو تهور من عديمي المسؤولية… من الصعب أن نتخيل أنه في جزء من الثانية يأخذ سائق سكران كل رمز للحياة والرعاية والحنان عن ولد ربما ستكون حياته محفوفة بشتى أنواع الحرمان والقهر والضياع بسببه.

فيا من أعطاه الله نعمة العقل لا تجعلك من نزواتك مجلبة لمآسي الناس من حولك… سوقوا بحذر … واعلموا أن لحظة من طيش قد تزيل أرواحا من العيش.

_________
عمر الحاج، في 6 أفريل 2013.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *