الزائر … الضرير المبصر .

الزائر … الضرير المبصر .

هذه القصة من سرد الخيال. وأي تشابه مع الواقع لا يعدو أن يكون من قبيل الصدفة المحضة.
___________________________
حضرت الأم وردية شتى أنواع الطعام وجهزت مائدة الفطور في صحن المنزل. كان الجو هادئا ومن شدة البرد بدأ الجوع يقرض مُعد أفراد العائل

ة. اختار كل من الأب قدور، ابنه عاصم ذو الثلاث والعشرين ربيعا والبنتين سعدة وربيعة وكل منهما تجاوزتا سن السادس عشر، مكانا مناسبا للجلوس وتناول الطعام. وبين الفينة والأخرى يستبدل كل منهم مكانه، عله يكون أحسن وأقرب مكان لمراقبة الطعام وتناوله. يصيح الأب في وجه امرأته :
– “هل تريدين أن نتعشى بدل الفطور!؟ لقد مر وقت طويل!
فترد وقد خطت خطوة سريعة وطويلة خارج المطبخ وبين يديها طبق بأولى المشهيات :
– “حاضر.. حاضر!” لا تنسى أن تغلق الباب الخارجي جيدا والنافذة. يسرع الابن إلى الباب في سرعة خاطفة ويدير مفتاح الباب مرتين ثم يضع يده على قبضة الباب ويجذب ليتأكد من غلقه جيدا. أما البنتان فتسرع كل منهما إلى النوافذ وقد جالت العيون يمينا ويسارا خارج البيت لعل أحدهم من المعارف أو الجيرة يمر بالمكان.. ” الحمد لله، لا أحد ! وقد تنفستا الصعداء”. وتعود كل منهما في أقل من دقيقة إلى مكانها الذي سرعان ما يتغير بين لحظة وأخرى وكأن هؤلاء لم يذوقوا طعاما منذ فترة طويلة.
تضع الأم بين رواح ومجيء كل أنواع وأصناف الطعام على طاولة الأكل الجماعية. تتجه العيون كلها لما فوق الصحون وخاصة الصحن الذي يحوي الطبق الرئيسي وقد عين كل في نفسه حقه مما يقسم. غير أن ذلك كان ينم عن الكثير من الشكوك والوساوس، فتلك الأجزاء تظهر غير متكافئة في الحجم والنوعية. لا بأس، فربما بعض الحظ قد يخطئ مرات لكنه يحالف مرة أو ربما استبدال المكان قد يصيد الحظ. لكن يبدو أن سعدة قد اختارت وربما كان ذلك من حظها أقرب وأحسن مكان للحصول على ما ترمقه كل العيون. إنها لا زالت رغم أنها على مشارف المراهقة بنتا مدللة. يرمقها باقي الإخوة وقد لا نستثني الأب من ذلك ونظرة الازدراء بدأت ظاهرة على وجهه، لكن لا بأس، مادام هذا اليوم ليس كباقي الأيام في نوعية الطعام وكميته.
No automatic alt text available.
وقبل أن تمتد الأيادي إلى الحقوق المفرج عنها، فإذا بخطوات هادئة ومتثاقلة تسمع خارج البيت على بضع أمتار من الباب.. من يكون يا ترى !؟ لا يهم لعله بعض أبناء الجيرة ! لكنه وقت الغداء ! … ليست بخطوات أولاد صغار… إنها لكبير وربما شاب. والأسرة تتجاذب أطراف الحديث بأصوات خافتة خشية أن يسمعها المار… وحتى ولو لم يكن قاصدا البيت، فربما لو سمع الأصوات حول الطعام فسيتذكر مصلحة أو خبرا فيطرق الباب طمعا في استضافة. – “لعله بغداد… جارنا … ‘الثقيل’… على كل حال وإن كان فيمكن أن نصرفه بكلام… يقول الأب قدور. – “لا ! لا أعتقد! فعمي بغداد خطواته متثاقلة و… “… “… هل أصبحك عمك الآن… أليس من قلت عنه أنه … غراب الأزقة”، تقول باستخفاف ربيعة، البنت الكبرى. … –” اسكتي يا بومة… ” وما يكاد ينتهي من كلماته الجارحة في وجه أخته، حتى يسرع الجميع إلى وضع السبابة على الأفواه.. في إشارة إلى التزام الصمت، الجميع للجميع… لقد توقفت آخر خطوة عند عتبة الباب ! “يا إلهي من قد يكون.. هذا الـ…”… تطلب الأم من الجميع الصمت، ويعود الحديث الخافت إلى شبه وشوشة بين أفراد العائلة. – “لا يهم… سأرى من الطارق ! “… تنهض الأم من مكانها نحو الباب، وفي نفسها إما رد جميل إن كان من الجيران أو صرفة إن كان القرابة بحجة أن لا أحد بالبيت غيرها . ثم تتردد في إشارة من الأب، أن عودي إلى هنا… فليس الوقت وقت استقبال. وتبدأ الدقدقة ومعه التذمر من التكرار والخوف من القادم. يسكت الجميع في صمت مطبق ومخيف. سرعان ما ينطلق صوت من وراء الباب وقد مل صاحبة من الضرب عليه ” … عمي قدور ! أنا الميلود ” … الميلود !… من الميلود !؟ يتساءل الجميع في صمت ! فترد وردية “إنه ابن أختي رحمة… الضرير”. … سرعان ما تعود أدراجها إلى الباب وقد بدت لها فكرة، تعرضها في صوت خافت وإشارات مفهومة على الأسرة أو ما معناها “ليلتزم الجميع الصمت… وأنا أقوم بالباقي… لن يكون هناك حرج، فهو أعمى منذ صغره ولا يرى شيئا”. يتبادل باقي أفراد الأسرة النظرات، بعضهم فهم وبعضهم لم يفهم. تفتح الباب في خطوات هادئة، لتقول للشاب الذي تجاوز العشرين : “تفضل يا ابن أختي… هذه مدة طويلة… كيف حالكم؟ أنت بخير !؟” – “لا بأس يا خالتي، الحمد لله، الجميع بخير.. أنت تعرفين حالتي وكيف أني لم أكن أستطيع المجيء… لكن لا بأس، الحمد لله… ستكون هذه أول زيارة، تعقبها أُخر بإذن الله… “وما يكاد يكمل حديثه، حتى تأخذه من يده جرا وهي تختلق بضع كلمات حضرتها من الخطة… “… كما تعرف يا بني فأنا دائما أُترك وحيدة بالبيت … اعذرني، فقد أفطر الأولاد اليوم مبكرا وغادر كل إلى مصالحه خارج البيت… اجلس هنا بني…”… تجلسه في مكان بعيدا عن الحركة لكنه بما يكفي ليراه الجميع دون أن يحس بهم أو هذا ما كانت تعتقد، لأن الضرير وإن لا يستطيع رؤية الأشياء فحاسة سمعه مرهفة ودقيقة. يدير الشاب في ذهول يمنة ويسرة والجميع يرمقه في صمت ودون بنت شفة وهم غير مبالين بحركات وجهه، خاصة عيناه اللتان تتجركان على غير عادة… لا يهم ما دام أنه لم يرى النور منذ الصغر، فمن غير المعقول أن يطمع يوما ما باستعادة بصره… كانت هذه كلمات صامتة تدور في مخيلة كل منهم.
– “هل تريد قهوة !؟”
– “لا يا خالة… فالطبيب منعها عني، كما أني …” ويصمت أن يكمل ما يريد قوله أو كأنه لم يرد البوح بشيء يميز يومه،
– “الطبيب !؟ خير إن شاء الله، هل أنت مريض… ماذا بك !؟ “،
– “لا بأس يا خالة… “يضحك، ثم يكمل … “الحمد لله”.
ودون أن تتركه يكمل حديثه، تذهب مسرعة لإحضار قهوة، والشاب لفترة تجاوزت الخمس دقائق وسط عائلة جامدة كالصخر… أكثرهم حركة لحواسه، بعض الابتسامة الساخرة من ثيابه، فكما نعلم، عادة فإن الضرير لا يأبه لما يلبس سوى ما يستر، خاصة أنه كان يسمع في صغره مقولة كانت تعجبه كثيرا، هي في الحقيقة حكمة بالغة : “خير اللباس ما ستر وخير الطعام ما حضر وخير النساء من قيل فيها : قرد ألوف ولا غزال شرود”، وقد تعود على ذلك، بل وكان ما يناسبه. تعُود الأم وقد ارتسم على وجوه باقي أفراد الأسرة الكثير من القلق والغضب المكبوت. بعضهم يلوح بيده إليها أن أسرعي في إشارة لتصرفه باكرا والآخر يحرك رأسه يمنة ويسرة في إشارة إلى القلق من التوقيت السيئ لهذا الضيف الثقيل… وكل ذلك أمام الشاب الضرير، الذي لم تطأ قدمه بيت خالته منذ أكثر من خمس سنوات، فأخت وردية تزوجت قبلها بسنوات ولم تكن بينهما زيارات كثيرة سوى بالأعياد، فقد كان الأمر يتطلب نصف يوم من السفر بالسيارة والمكان ليس به هاتف ولا مواصلات. إنها مدينة بعيدة عن المكان، لكن أختها أوفر منها حظا في المال وأكثرها كرما.
ينظر المسكين لكأس القهوة الممتلئ غير مبال بما يدور حوله ودون أن يمد يده للفنجان، فقد تعود المسكين على ذلك منذ ولادته. لم يكن يحدثه أحد كثيرا ولم يكن يعرف من الناس الكثير، سوى أمه وباقي أفراد أسرته وشيخه بالمسجد المجاور.
لقد حان وقت صرف هذا الكائن ليرتاح الجميع ويخلو لهم الجو، فليس بعد هذا الزائر من عذر لآخر.
تأتي اللحظة الحرجة في تنفيذ خطة الانصراف… وها هي الأم وردية، تبادره بسؤاله يعتبره الجميع الآخر،
– ” … خير ما أتى بك يا … الميلود… !؟”…
– “خير يا خالتي… كل الخير، إنها نوعا ما مفاجئة !”… يصمت برهة، وقد علت وجوه الحضور الذين بدوا لربع ساعة وكأن على رؤوسهم الطير… مفاجآة… ترى ما… المفاجأة التي قد يأتي بها … ضرير مثل الميلود… !؟ ويعود الجمود إلى الوجوه وقد جحظت العيون… المتجهة في ذهول إلى … الميلود.
– “… لقد قمت بعملية مؤخرا… وأنا الآن أبصر…. والحمد لله”.
… يا إلهي… ما هذه القنبلة… يا للمصيبة… يا للفضيحة ! يا للعار… سكت الجميع وهم يتبادلون نظرات الحسرة والألم.. وإشارات تحمل … الكثير من الندم. فالأب طأطأ رأسه وكأنه لم يسمع الخبر والابن، خرج مسرعا وكأنه لا يعرف شيئا عن ابن خالته ليبدو الأمر وكأنه ليس من الأسرة… أما البنتان فقد تظاهرتا بالحشمة من الثياب القصيرة التي كانا يرتدنها وأسرعتا لجلب بعض الثياب. ثم عاد الجميع تقريبا إلى المكان وقد حاول الأب في لفتة المتظاهر بالترحيب.. وأي ترحيب !؟ فقد سبقته زلة لسان من الخالة… إذ رغم أن الشاب لم يكن ليحرجه الصمت، فقد تعود عليه لكنه ربما تذكر عبارة… “..إني وحيدة بالبيت كما ترى..”… ثم بدأت وردية تستدرك هفواتها وتحاول الترقيع بعبارات مبهمة، سرعان ما استدركت نفسها بدعوته إلى طاولة الفطور المزركشة بشتى أنواع الطعام.. احمر المسكين خجلا وحرجا خفيفا … ربما لبعض من حسن حظهم أنه لم يتعود كثيرا على مثل هذه المواقف من قبل إذ أن العملية الناجحة على عينه لم تمض عليها سوى شهور.. لكنه كتم الباقي بقلبه. … ثم تنفس عميقا وبحكمة بالغة، تعلمها من كثرة الاستماع إلى شيخه المقرئ للقرآن بجنب بيتهم، إذ كان يحفظ نصف القرآن وقد حفظ الكثير من الأحاديث واستمع للكثير من الحكم من الشيخ الوقور الطيب، الذي كان يعتبره أباه الثاني… ونهض مغادرا، وقد حدق في جميع أفراد الأسرة للحظات بدت كأنها الدهر في نفوسهم… ثم استدار للخالة، وقال… “اعذريني يا خالة… لدي الكثير من الزيارات، لكني مضطر لقطعها، فقد نذرت لله صوما لشهر كامل، وهو يومي الأخير… ولا بد أن أفطر بالبيت… لقد كانت هذه أول زيارة لي للأقارب…” وتقدم نحو الباب غير ملتفت وراءه… وقد سمعت العائلة بوضوح كلمات مدوية… “بارك الله فيكم على حسن الضيافة…. تصبحون على خير..” … إنها كلمات لن تزيلها الأيام ولا المواقف القادمة بسهولة.
__________________________
من تأليف عمر الحاج “مشاريع رقمية” – 06 أكتوبر 2012 الموافق لـ 20 ذو القعدة 1433 هجري (مراجعة).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *