يوميات بائسة … عمى البصيرة : الظلم خطير، لكن الحب أخطر!

#يوميات_بائسة … عمى البصيرة : الظلم خطير، لكن الحب أخطر!

من فلم عصابات مكسيكية شد انتباهي عبارة خطيرة جدا كانت تصريح وسيط لمحام تورط مع عصابات المافيا الدموية  “لا تعتقد أن هؤلاء يقتلون بأبشع الوسائل لأنهم غاضبون، بل هم فقط يفعلون ذلك من أجل المظاهر”. عبارة تذكرني بالقتل الهمجي في سنوات التسعينيات. وتذكرني كذلك بما نسمع ونرى اليوم من حوادث غريبة تثير الكثير من الجدل وتزرع الكثير من الشك والفرقة. في وقت مضى كنت أستمع باستهجان إلى تلك التبريرات السخيفة التي يلقيها في مجالسنا صباح كل ليلة اغتيال أو مجزرة “إنهم كانوا خونة!”، بل “كان خبيثا” أو “جاسوسا متسترا”، لا! “إنهم كانوا ممونين”، لا أعتقد! إذا لعله “كان ضحية سذاجته”، تلك العبارة الأخيرة كانت أرحم وأحفظ للسان من الزلل. كان ذلك هو حالنا إلى أن وصل الموت كل بيت تقريبا. الذي حدث، أنه حين فهم الجميع كانت معركة التغيير قد انتهت في مرحلتها الأولى. لم يعد هناك داع للقتل مرة أخرى. لقد حدثت مصالحة! في خضم لملمة الجراح وخروج الواقفين على هامش المعركة والمختبئين من أشباحها من صياصيهم، كانت هناك معركة أخرى تقضي في صمت على ما بقي من القيم. كان لا بد من عودة التجييش مرة أخرى. من قال أن الناس قد قبلت المصالحة!؟ بل من صدق أن الناس قد غيرت أرائها فجأة من النقيض إلى النقيض!؟ يقال أن الكثير من الذين يتعاطون الكحول في حقيقة الأمر ليسوا أشرارا، بل إنما يفعلون ذلك لأن أزماتهم تجاوزت حد التحمل، فهم إنما ينتشون من أجل نسيانها والتعايش معها. كان ذلك في ما مضى، فلم يكن هناك خيار ولا الكثير من الأفكار، أما اليوم فالمسكرات لم تعد حكرا على المشروبات ولا “المكميات” ولا “الحقن”! إنها من نوع آخر، لعله أكثر خطورة، لأن متعاطيها على خلاف ما يحدث للسكارى من عذاب الضمير، حين يمر بفترات صحو، فهي تجعله في راحة تامة واطمئنان دائم : ليس هناك فترات صحو. إنه بشكل ما يغير العقل لفترات طويلة وربما لغير رجعة. وأتساءل أحيانا ما الفرق بينه وبين الجنون!؟ نعم إنما هو جنون من نوع آخر. إنه الجنون الذي يعمي حاسة مهمة جدا لعقل الإنسان المتوازن : “إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور”. إنها “قلوب لا يعقلون بها”.

هناك شيئان يغيران الشخص من النقيض إلى النقيض : الظلم الشديد والحب الشديد.

لم يكن الإرهاب يوما وليد الفكر وحده، بل تخرج من السجن، حيث خرجت منه أحياء مات منها أغلى ما حباه الله بها : الضمير. ولعله لأجل ذلك قرن رب العلمين فقدان الفؤاد بفقدان البصر “إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور”. فيصبح الشخص لا يرى سوى “الانتقام” تماما كما لا يرى الضرير سوى “الظلام”. وكذلك حين يفقد الإنسان البصر، يعتمد كليا على ما تلتقطه الأذن، فهو يميز كل الأصوات، لكن قلبه لا زال يعمل، أما المبصر الذي فقد قلبه، فهو سيعتمد كليا على الاستماع للوسيلة التي يبطش بها. فلا يمكنك أن توجه إنسانا يرى في من هو أمامه “وحشا” نحو الاستسلام له أو مصالحته.

الحب الشديد هو الآخر على نقيض الظلم الشديد تلك القوة الناعمة، إنه سحر القلوب. فهو كذلك يجعله أعمى لا يرى الخطر من المصلحة. ولعله ذلك الحب الشديد لبعض الدعاة والمشايخ الذي تحول مع الزمن إلى قداسة تنفي عن صاحبها النطق عن الهوى وكل كلمة منه كأنها وحي. إنها تكاد تتحول مع الزمن إلى عبادة كما حدث مع اليهود والنصارى وأحبارهم ورهبانهم “اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31) ” – التوبة.

لقد حدث في التاريخ البشري أكبر تحريف لها عن شريعة الله، فماتت أمم كثيرة على الباطل : أمم يهودية وأخرى نصرانية. وهل كان التحريف بفعل جهال بسطاء من عامة الناس أم بسلطان قوي!؟ أبدا! بل إنه كان تحريفا تحت إمرة قسيسين ورهبان، كانوا حواريين وأهل كتاب، عرفوه كما عرفوا أبناءهم، لكنهم حرفوه واشتروا به ثمنا قليلا. نفس الشيء يحدث اليوم للأمة الإسلامية : عدو يمكر ويخطط، فساق يلفقون وينشرون وأمة أكثرها ينهل من مجاريهم، لكن للأسف يتقدمهم في ذلك مشايخ ودعاة، حسبوا على الأمة. ولعل أسوأهم من يفعل ذلك لأجل سلطان بذخ في دنياه فيصبح بذلك من يشتري بآيات الله ثمنا قليلا.

لعله اليوم قد تجاوزنا خطر عاقبة الظلم الشديد، لكن حل محله خطر أعظم منه : خطر الحب الشديد. إنه الحب من أنواع عدة : حب الدنيا وقد برز فيه المدعون للعلمانية والإصلاح والتغيير تحت مسميات شتى، لعل أحسنها “الديمقراطية” والتي إنما وجدت لقتل الكلمة الطيبة “الشورى”، وحب المشايخ لحد التقديس وقد برز فيه السذج والحمقى والمغفلون. ولعل من هؤلاء أميز المدعين للسلفية، فهم أحمق ما وجد بهذا العصر. قد يسألني سائل أو يلومني لماذا أنت متحامل عليهم هكذا!؟ فأجيبه : أولا لست متحاملا سوى على “المدعين”، لأن “السلفية” مثل “المذهبية” و”الرهبانية”، فهي لم تكن في الحقيقة يوما ما جماعة، بقدر ما كانت مناهج أكثرها فردية. فكثيرا ما نقرأ في تاريخنا العالم الزاهد الفلاني. وافتح هنا قوس تنبيه “من يدلني على مؤلفات قديمة لأعلامنا وعلماءنا قيل عنهم أنهم كانوا سلفيين!؟ “. سيذكر تاريخ القرن في مصنفاته لأول مرة في تاريخ الأمة عبارة “العالم السلفي الفلاني”. وأتصور مدى استغراب سلفنا لو أنهم أعيدوا إلى عصرنا أحياء وقرأوا عبارة “الإخواني فلان” و”السلفي علان” أو كأبسط وأرحم عبارة “السني فلان”!؟ هل فعلا كانوا ليقبلوا بها مرادفات للمسلم!؟ لا أعتقد! ثانيا : إن هؤلاء المدعين، ولنقل من الفريقين “علمانيين وسلفيين”، مع اختلاف طفيف، هو أن الفريق الأول يفعلها مكرا، أما الثاني فحمقا وجهلا، ينهلون من مجاري فساق الإعلام. لعل الكثير لا يعلم أن الكثير من المؤلفات البغيضة إنما هي تلفيق، كما هم كبار الكتاب وعمداء الأدب وفطاحلة الشعراء، إنما هم أرذل ما وجد بهذا العصر. ومن الذي نصبهم علينا كذلك لولا إعلام مأجور وجوائز عالمية مسمومة!؟

في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعاتب الحبيب أبا ذر الغفاري بكلمة “إنك امرئ فيك جاهلية”، لكنه يبقى في نظره ونظر الصحابة والتابعين من بعده والأمة جميعا ذلك الصحابي الجليل المتميز، لكنه في عصرنا اليوم، يكفي أن تخرج عبارة واحدة من “شيخ مقدس” من قبيل “إنه شخص مبتدع” ليلهبه الأتباع بسياط السب والشتم والتبديع والخروج من الملة والتكفير “كما تداعى الأكلة إلى قصعتها” ولا شيء يشفع له ولو كان صواما قواما حافظا زاهدا!

كثيرا ما افتح النت ولسنوات على مناشير أو تصريحات، أتصور التعليقات عليها كمثل ذلك النباح الشرس الصادر من كائنات لو اطلق لها العنان لمزقت الإنسان إربا إربا… لكني حين أبحث عن حقيقتها أجد أن أغلبها ملفق وكاذب ولا أصل له، إنما هو صنيعة مكر وحقد بغيض. لكن ما بني على باطل ليته يبقى مجرد باطل من نفس النوع. إنه يتعداه كثيرا للجهالة. والجهالة وإن كانت وليدة الجهل إنما هي أبشع عاقبة له. “يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ…”.

يحدثني محاوري بكثير من أمثلة مأخوذة على أنها من التاريخ، لكنها للمثقف الواعي، مجرد فقاعة، تدل على أن مادتها سريعة التلف لا تجد لها في جو الوعي توازنا. إن أكثر هؤلاء لا يقرأون فهم لا يربطون الأحداث ببعضها، وأنساهم الحماس بناء الأساس فشيدوا في ظرف وجيز قصورا من أوهام، فهم عليها أحرص من قارون على كنزه وهو يعتقد أنما أوتيه بعلم من عنده.

قلت لمحاوري مرة : متى ذكر علماؤكم يرحمهم الله فلانا بسوء!؟ فقال لي : تقصد “الفاعل فلان”!؟ وذكر كنيته مقرونا باسم مستعار سيء، ثم أضاف “هم لم يذكروه بسوء، بل كشفوا عن ضلالاته للناس”. فقلت : إذا لماذا تذكره أنت بسوء إن لم يفعلوا هم!؟ وكان حوارا طويلا شبعه محاوري بكلمات من السب والشتم والتلفيق والكذب المنتقى “نسخا – لصقا” من مجاري “القنوات والصفحات والمدونات”، تهرب فيه محاوري من سؤال رئيسي “متى ذكر علماؤكم فلانا بسوء!؟”… ولم يجب عن السؤال أبدا، لأنه أحس بشيء من الفخ الذي نصبته له وكان بالفعل كذلك. إن هؤلاء لا يفعلون ما هم مقتنعون به، بل إنهم للحق جاحدون! لقد ختم هذا الجاهل الحوار بسؤال أردت أن أتركه من دون جواب “ماذا تقول عن العلماء الفلانيين”!؟ لقد نسي الأحمق أني حين قدمتهم له بسؤالي الرئيسي، قلت “العلماء” وقلت عنهم “رحمهم الله”! إن كثيرا من هؤلاء لا ينتبهون للعبارات وكأنهم لا يقرأون، لا يفهمون، لا يلاحظون، بل فقط لهم حساسية اتجاه كلمات معينة، هي بمثابة زر “الاستفزاز” لهم. فهم يربطون كل كلمة منها بحكم مسبق. كأني بهم مثل ذلك الروبوت القديم، له خيارات محدودة للأجوبة، لكنه غير مبرمج على “لا أدري!” فهو لا بد أن يجيبك بإحدى رسائله المسبقة. إنه بشكل ما يحمل قاموسا بعقله، لكنه لا يربط إجاباته المحدودة في كمها بكلمات محددة من السؤال. أو مثل تلك الأفلام الخيالية في حروب الفضاء الوهمية، يصورون تلك الكائنات الفضائية في أبشع صورة وكلها “شريرة” تحب دمار الإنسان وتستلذ بأكله وتعذيبه. ولعلي إن وجدت لأولئك عذرا، فهم إنما يركزون على أسوأ الحالات من أجل اختراع أنفع الأسلحة، فإني لا أجد لهؤلاء سوى أنه “الجهل المطبق” أو “العقل المغلق”.

اعتقدت لوقت طويل أن هؤلاء الذين يتميزون باستماتة في الدفاع عن أفكارهم السخيفة إنما هم على قلة من الوعي، إن هم أخذوا منه جرعة، استفاقت عقولهم من غفلتها وعملت على إصلاح ما تبقى بداخلها من أوهام. لكني كنت مخطئا في الكثير منهم، لأني اكتشفت أنهم في مواضع أخرى، حيث كنت أعتقد أنهم على خلق ودين، فإذا هم في اللهو واللعب كغيرهم من الضالين لاهون وهم في خوضهم يلعبون.

وعليه فقد كان قراري حاسما : خاطب الناس بما يفهمون، وذكر من دون أن تغرق في جدال، وانتق كلماتك لمن يحسن قراءتها، فأسوأ الظنون ما جلب قلة الاحترام وسوء الأدب. كن على يحب الحق صبورا، وعلى من يركب الباطل شديدا جسورا. اختر من الكلمات ما يحيي القلوب الميتة، فربما في بعضها أحياء تنتظر مواسم الغيث. مهما تحضر الإنسان فهو ابن بيئته ولا تنسى أن أروع الأشياء قد تموت في أبشع الأماكن، فليس عليك ارتيادها. دع الخلق للخالق فلست مجبرا على تغيير الناس ولو بقوة البيان.

للحديث بقية وإثراء وتنقيح…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *