يوميات بائسة… جلبة آخر النهار… مجتمع في إدبار.

يوميات بائسة… جلبة آخر النهار… مجتمع في إدبار.

الأسبوع الماضي وحين أرخى الليل سدوله، سمعت ضجة في الخارج تشير إلى أن هناك مراهق قد هرب من بيته تحت وطأة التشدد معه ويحاول والده إرجاعه بالقوة. لم أرد أن أخرج من بيتي للاطلاع على التفاصيل، ليس خوفا من المشاكل، إنما عودتني التجارب أن أكثر الأشياء التي تصدر الكثير من الصراخ في حضور الناس، هي مجرد مشاكل عائلية، خير لك أن لا تتدخل فيها فتصبح طرفا متهما من الجميع في إذكاءه، لقد حدث هذا معي غير ما مرة وندمت على التدخل في بعض أحداثه، لكني تعلمت منه الكثير. استفسرت عن الحادثة في اليوم الموالي فقيل لي أن مراهقا قد سجنه والده لمدة لأسباب قد تكون من قبيل الخوف عليه من رفقاء السوء أو ربما لأنه أقدم على فعلة “منكرة”، لكنه حين سنحت له فرصة الفكاك خرج من البيت على أمل أن لا يعود إليه.
ساد القصة صمت خلال أسبوع كامل، سرعان ما عاد إلى السطح قبل يومين، فبعد العصر، غفوت من تعب اليوم علني أظفر بنوم عميق حرمتني منه المدينة والتحضر المزيف سنين عديدة، للحد الذي أصبحت فيه أخاف من النوم، لأنه سيلقي بي إلى عالم هو أبشع من العالم الذي يأوي كائنات اليقظة، فإذا بي أصحو على ضوضاء يصنعها مراهقون وقد اجتمعوا على رفيقهم وهم يحاولون أخذه إلى بيته بكل ما أتوا من حيلة وقوة. سمعت من ضمن ما التقطت أذني من عبارات تشفق لها القلوب القاسية : “أنا تعبان دعوني أرتاح…“، “... والله لن أهرب… سأبقى هنا وألتقي أمي متى كنت لذلك مستعدا… “. لقد كانوا يستخدمون معه عبارات من قبيل “… إن أمك تريد فقط أن تراك… “، “... إنها جد قلقة عليك…“، “... لاتخشى شيئا، نحن هنا معك لمساندتك وحمايتك…“. وغيرها مما يجعلك تبكي على أيام مضت مع ما كانت تقسو علينا به بالفقر والحرمان وقلة الحيلة. خرجت من بيتي على حذر، لأني كثيرا ما كنت أقع في شجار مع نفس هؤلاء الصبية، الذين يتسكعون ليلا نهارا بالخارج وكأنه لا يوجد لهم بيت يحميهم أو ولي يربيهم، فكان السؤال العادي البسيط : “خير إن شاء الله!؟ ما شأن هذا الولد!؟” فكان الجواب المتوقع المعهود : “لا شيء! لا شيء… “، فقلت “… كيف ذلك وكل هذا الضجة المنكرة… !؟” وفي نفس الوقت كنت أنظر إلى المراهق وشلته. لقد كان طفلا ربما لا يكاد يتجاوز 15 سنة، كان يبدو متعبا مشوشا، لكن ليس هناك علامات تدل على انحراف فيه أو إهمال من طرف الأهل في هندامه وهيئته. كان الشبان في ريعان مراهقتهم التي بدو أنها من النوع الذي يدوم طويلا، ينظرون إلي بنوع من النكران والغضب الداخلي كأني أتدخل في أمر لا يعنيني في شيء، وبدأت أستفسرهم عن مشكلته، فذكروا لي أنه هارب من بيته من مدة ولا يريد العودة إليه. فقلت لهم “… اتصلوا بالشرطة إذا!؟” لم يكن سؤالي عفويا ولا نصيحة أولي لها بالغ الأهمية، بل كان رسالة واضحة، هي مما أصنفه ضمن كلماتي القصيرة “لا يهم “السؤال” مادام “الجواب” يصنع له “أهمية“، فإذا به وعلى قدر ما كان مني متوقعا ينتفضون في وجهي “… هذا فقط ما تعرفون!؟ … فقط الشرطة!“. فكان ردي بنوع من التهدئة والتهديد في نفس الوقت “… إذا فلم كل هذه الضجة… إنكم تزعجوننا ونحن نسمع كل ما تقولون وتتفوهون به من كلمات… اذهبوا إلى أمكنة أخرى إذا…“. لقد كنت أعرف أن بينهم أبناء شرطة من الجوار، وبعضهم تعرفهم من كيفية “تسريحة الشعر” و”نوع الهندام” و”نواديهم” المنزوية في ظلمات الأماكن المهجورة من الحي أنهم شباب ضائع لا ترجى منه فائدة إلا من رحم الله. حينها بدأت أهذي بيني وبين نفسي “كيف لبعض هؤلاء وهم أبناء شرطة أن لا يستنجدوا بها ويراد لغيرهم ذلك على أمل حل جذري لمشاكل الحي اليومية!؟” لا تعتقدوا أني أتهم الشرطة بالفساد أو اللامبالاة، بل إني أعرف الكثير من مشاكلهم مع القوانين والإجراءات والتعليمات الفوقية التي تسبب فيها رجال السياسة وأولئك المراقبون “فوق العادة” لكل ما يحدث بالبيت الجزائري بالمرصاد لأي “إصلاح حقيقي”. ضف إلى ذلك لامبالاة الآباء وأفراد المجتمع الذي أصبحوا مثل التماثيل، محطمة بمطارق “الايديولوجيات” أو لاهثة وراء الكسرة والكثرة من أي واد أتت. وبالمناسبة ومن دون تملق، إني لأحيي الكثير من رجال الشرطة عبر هذا المقال أنهم كانوا لنا السند الوحيد والعون الأوفر في الوقت الذي تخلى عنا الكثير من أفراد المجتمع من الحي ونحن نصارع المسئولين والمنتخبين من أجل خدمته.

رجعت إلى بيتي والكثير من الأسئلة يحاصرني : لماذا لا يتدخل العقلاء من الآباء من الجيران!؟… فلا أحد خرج من بيته، ولو كان سمع أحدهم أن ابنه في شجار مع أحدهم لخرج يلعن ويتوعد وقد استعد بكل ما أوتي من مكر وقوة للانتقام لابنه، ظالما كان أم مظلوما، الذي عادة هو الظالم أصلا والمتسبب في مشاكل مع الجيرة… لماذا لم يتصل أبوه بالشرطة أو عمه أو أحد أقرباءه أو جيرانه من الآباء!؟… فليس هناك مشكل ليس له إصلاح ما لم يكن المشكل جريمة تقتضي تدخل العدالة. لماذا لا توجد هيئات تتدخل لضمان الرعاية والتكفل بمثل هذه الحالات لدى أجهزة الأمن والعدالة والتضامن!؟… أسئلة كثيرة… وأجوبة غائبة.

في ذلك المساء، خرجت من بيتي في وقت متأخر لجلب حاجيات ضرورية من المتجر المجاور. وعلى عادتي كثيرا ما ألقي بعض الكلمات التي تثير الفضول وربما الجدل وجس النبض، لكن لأجل إضفاء نوع من الحيوية والمرح، لأنزع ولو قليلا من ذلك العبوس وتلك الكآبة التي بدأت شيئا فشيئا تدخل في تركيبة جيناتنا فتخرج لنا أجيالا لا تعرف البسمة ولو من أجل قضاء المصلحة. كان هناك بالمتجر شخص كنت أشك دائما أني أعرفه من قبل، لكني لم أستطع التذكر. كانت تبدو عليه الحيوية وكثيرا ما يلقي كلمات تدل على أنه لا يزال يشارك هموم الشباب واهتماماتهم. لقد كان يبدو في عمر يدل على أنه عرف كثيرا وخبر عميقا، لكن كان هناك شيء غريب يتصف به، لم أستطع أن أستسيغه. كان يجلبني بعض الفضول لمعرفة من يكون، ولم أشأ كعادتي أن أطرح على أحدهم سؤالا مباشرا. كانت تبدو هناك فرصة سانحة من خلال تفاصيل حديث بدأه مع صاحب المتجر الشاب، أن ألقي بعصاي علها تتلقف منه بعض عصيه فتثير فضوله. كان هناك كذلك استعداد لامتصاص أي غضب منه. فسردت القصة على الأسماع، فإذا بي كما توقعت أثير بعض فضوله وشيئا من غضبه. لقد أعقب القصة حوار وأخذ ورد كنت أتجنب فيه الكثير من الجدال المقيت، فأمتص غضبه “الذكي” بشيء مما خبرته من الحياة. لقد أعقب الأمر الكثير من الأسئلة والأجوبة التي كانت أشبه بجس النبض من الهوية إلى الانتماء… حتى شعرت بداخلي بشيء من الندم على التحدث في الأمر من الأصل. كان ملخص وصيته المتكررة لي أن أكف عن الاهتمام بما يجري خارج بيتي مهما حدث، الشيء الذي كنت أجانب فيه الموافقة على المبدأ وأتجنب تقبله في كثير من التفاصيل، لأني كنت أعلم يقينا أنه ما وصلنا إلى وصلنا إليه من تقهقر في الأخلاق والقيم إلا بترك “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” ولأنه “حين يتخلى الخير عن أسلحته يبدأ الشر في احتلال المكان“. إن الشر أشبه بمكان إلقاء القمامة، حين يختاره أحدهم ولا يجد من يعارضه يصعب مع الزمن تغييره. المهم، اعتقدت أني تخلصت من الحديث الذي كاد يتحول إلى جدال مقيت، بخروجه من المتجر، لكني اعتقد أني كسبت الرجل ولو بإبداء الكثير من الاحترام لأرائه وتجاربه.

أثناء خروجي من المتجر عائدا إلى البيت، وجدته يناديني، ولم أصدق أنني بذلك قد دخلت حلقة أخرى طويلة من الحديث وقد بادرني بنفس النصيحة، التي كانت تبدو وكما يقول أنها من القلب، لكني صنفتها من التجربة وربما نوعية الوظيفة. حاولت أن أحول الحوار إلى ودي وقد كانت كذلك رغبته، بدليل أنه في آخر الأمر قال لي “… انتبه… لم ينتهي بعد حديثنا… إني أعد هذا اكتشافا كبيرا وشرف لي أن أتعرف إليك…”. بادلته الموافقة في كثير من الأمور احتراما لتجربته وسنه وثقافته التي امتدت أصولها من ثورة التحرير وجمعية العلماء المسلمين وفي نفس الوقت من المدارس والثقافة الاستعمارية، لكن ثقافته تزخر بالكثير من الوطنية والحرية. ولعل أكثر ما أحترمه فيه أنه حافظ لكتاب الله. لقد كان صباه وطفولته غير بعيدتين عن أحداث سطيف – قالمة – خراطة، وعرف أحداث القصبة وأبطالها “علي لابوانت”، “حسيبة بن بوعلي” وزملاءهم رحمهم الله وغيرهم من شهداء ومجاهدي ثورة التحرير. طبعا لم يكن ذلك غريبا بالنظر إلى سنه الذي جاوز السبعين ومن خلال لهجته وثقافته الشعبية التي يبدو أنها نهلت الكثير من شرايين الثقافة العاصمية والثقافة المحلية. المهم أننا تعرفنا إلى بعضنا واتضح من خلال الحوار الكثير من اللوحة الكبيرة. فقد عرفت أننا التقينا من قبل من دون أن نتعرف على بعض عن قرب. كان هناك الكثير من الشخصيات، الرجال منهم والأشرار، الذين كانت مواقفنا نحوهم تبدو في غاية التناغم، لكن… كان هناك شيء خفي يدل على “اختلاف جوهري” بيني وبينه في النظرة إلى أحداث البلد وتطوراته : إنه لا يزال يستند على “حلم” أن في البلد مصلحون بيدهم مقاليد كل شيء، يقفون في الخفاء، وهم الذين يسيرون به إلى مرافئ التنمية والرقي والخلاص… وأن المجتمع في حالته الحالية لا يهم ولو كسر كل الفخار بعضه بعضا والذي في الحقيقة كان يجب أن يكون هو الفخر والذخر لهذا البلد. لقد كانت عباراته التي رددها غير ما مرة على مسمعي للحد الذي أسمعته اعتراضي الصريح عليها “لا تهتم لأفراد هذا المجتمع… ذلك ليس من شأنك ومن تكون أنت لتغير من الأحوال!؟“. رغم ذلك فلا زلت أعتبره من جيل محافظ نتمنى كثيرا العودة إلى مخيماته، على اللهث وراء قصور يشيدها هذا الجيل الذي انقسم أكثره إلى ثلاث : جيل يعلن الخيانة عيانا وجيل يحترف الخيبة إعلانا وجيل يلعن في الآن كل صالح وقبيح من دون تمييز.

لا شك أن القارئ يتساءل : ما فائدة حواري مع الشيخ المتقاعد المثقف!؟ … وجوابي سيكون بشكل أحجية “إن التغني بالوطنية قد حجب الكثير من التجاوزات وجعل منها أكبر الانجازات، فأعطى بذلك لكل من كانت له مسؤولية الأمن وتطبيق التعليمات الفوقية بعد الثورة وأثناء الأحداث العصيبة التي مر بها البلد… الحق المطلق بأن يبطش بالبريء ويرأف بالمجرم، فتحول المجتمع إلى مظلوم مُتابع ومقهور وظالم يصول ويجول في جميع مرافق الحياة، فيحيل كل أخضر إلى يابس محروق وكل تراث أصيل إلى سواد ورماد“… وللحديث بقية…/…

Comments 1

  • اخي بارك الله فيك
    على هذه الكلمات الجريئة
    نحن نعيش حياتنا في صمت
    عتبي على جيل لم يتحمل الامانة في تربية الاجيال جيدا وخاصة جيل ما قبل المأساة الوطنية بل فضل الهروب الى الامام هذا هو رأيي المتواضع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *