يوميات بائسة… “الجامعة تهترئ”.

يوميات بائسة… اليوم أصل إلى قناعة مؤلمة “الجامعة تهترئ”.

أمضيت أشهرا في تبسيط المعلومة العلمية وصياغتها بشكل يجعل الطالب يتدرج في فهمها بنفسه وأحيانا أستخدم أسلوب “ارمي السباح الجبان في العمق ليتقن العوم سريعا“، لكن للأسف ما نفع هذا لعدم وجود الفضول وغياب الحافز، وما نجح ذاك بسبب ضعف الأساس. تذكرت قول صديق “سلمه لي يحبو فأعلمه المشي، لكن لا طاقة لي بمن يسحل لأجعله يمشي“. الأمر أشبه بتسريع نزع شرنقة “دودة” في طور الاكتمال، فلا تغادر بعدها الأرض أبدا كـ”فراشة”.
أن يصل الأمر إلى فحص في نهاية السداسي بإعطاء أسئلة بسيطة جدا وقاعدية، هي من أساسيات المادة، بل ومن بديهياتها، بل إعادة أسئلة التطبيقات التي أجريت في الحصص بعد أن تم إعلام الطلبة بذلك من قبل، ضف إلى ذلك فإن الفحص يتم إجراءه بمساعدة وتوجيهات، فهذا يجعل الأساتذة ينقسمون إلى ثلاث : فئة تكرس الرداءة أو تتعايش معها، فلا يهمهم حضور الطالب ولا نشاطه ولا مستواه، فيتظاهر بأنه يدرّس ويعطي الامتحان والنقطة كيف ما كان؛ وفئة ثانية، تكرس التحطيم بالتشدد على الطلبة والزج بهم في البحث عن السبل غير العادية للحصول على النقاط وأولها الغش والإضرابات التي وصلت اليوم إلى غلق البوابة الرئيسية للجامعة من أجل مشاكل بسيطة بل وتافهة أحيانا؛ ثم هناك فئة ثالثة وهي التي تستسلم للتعايش، لكن هذه الفئة، ستنقسم بدورها إلى قسمين : فئة تمتهن إما النصيحة “القاسية” أو الحماقة والسخافة، بما ذلك أسلوب “الهبل” والبهلوانية والسخرية؛  وفئة تمارس الابتزاز وقضاء المصالح الشخصية على حساب العلم والمعرفة وأخلاقيات المهنة. وأجد البقية المقاومة مخيرة بين أن ترقص فوق الحبل أو تحت الحبل، فتختار التقاعد مسبقا وهي في أوج العطاء.

قلت لطلبتي، إنكم والنظام الجامعي الذي يعيش “المؤقت” من يوم أعلنت الطوارئ أو لنقل من يوم أطلت على شاشتنا “بالأسود والأبيض” تلك الصحفية الحمقاء، التي وصفت المعلمين بـ”الـحشرات” وهي تملأ الشاشة بوجهها “الصْحيح” لتعلن خبرا “ملفقا” عاجلا بعد الثامنة تبدأه بمفاجأة “نهاية عهد البترول”، في “تناغم” : هم يسيّرون بالأرقام، فنصبوا لكم جسورا من أجل طابور الحصول على الشهادة فاصطففتم مجبرين أو مسرورين. أما نحن فلم يبقى لنا ذلك “التناعم” سوى اختيار جسور طابور التقاعد. طبعا لن يكون تقاعدا “مريحا” ولا “مربحا”، فالجزائري حين يبدأ تقاعده سيجد نفسه مجبرا على مصارعة وحش آخر اسمه “لقمة العيش” : إن لم تجد لك عملا موازيا، فالنكد والضنك أشبه بالحبس الانفرادي حين تفتعل المشاكل في ساحة السجن. هذا من جانب!

من جانب آخر، إنه ليؤلمني ويحز في نفسي أن أجد طلبة متخرجين في النظام الجديد وربما بأعلى الشهادات فريسة البطالة وملفات التوظيف المذلة، خاصة تلك المسابقات التي هي أشبه برمي الفتات لحشود أنهكها الجوع والتعب. فلا هي قادرة على التحمل ولا هي تصبر على شظف الحياة وقسوتها.

اليوم وأنا في طريقي إلى البيت، لمحت جاري من قريب يحمل في يده شيئا مطويا “أبيضا” هو أشبه بالمجلة منه إلى الملف، فتذكرت أياما مضت كان المثقف لا يكاد يدخل بيته ويداه فارغتان من عدد جديد لمجلة أو جريدة أو كتاب. كانت متعة المطالعة أشبه برغيف الخبز اللذيذ حين تفضل التهامه في زاوية مريحة من البيت على تناوله في مطعم فاخر. فقلت لصاحبي وقد اقتربت منه “كنا فيما مضى لا نخطأ أبدا في أن ما تحمله لن يتعدى كتابا أو مجلة أو جريدة، لكننا اليوم نجزم صادقين أنه ملف إداري“.
الحديث يطول ويطول جدا ويتشعب، فمن أين أبدأها!… من أين!؟ أمن الاستثمار في الشهادات ببيعها، من الدخول إلى امتحانات كانت توزع ويتم تبادل مواضيعها بين المشرفين على فتح التخصصات، لفائدة الأبناء والأقارب وأخرى لقاء “مصالح واكراميات”، مرورا بشراء المذكرات فأعضاء اللجنة بالهدايا والإكراميات ثم بمبالغ الخيالية. لقد حدث ذلك وأصبح شبيها بمن يمارس البذخ في إظهار واجهة محله بأرقى ديكور، استثمارا، ليجني بعده أرباحا خيالية ببيع “الريح” بثمن “الذهب“. قد يسأل أحدكم : أين فائدة من اشترى الشهادة!؟ فأقول … “ببيع النقاط بعد التوظيف!“.  أم بالتخلي عن النظام القديم المتين، الذي ستر عوراتنا لزمن ولو مثل “الشيفون المحلي” زمن لم يكن “صنع في الصين“، أم من فتح التخصصات بالتلفون وتحضير “دفتر الأعباءبالنسخ واللصق”  ثم “الدمج وضغط البرامج السنوية لتصبح سداسية” ثم وسمها بـ “يستدرك لاحقا” لارضاء “النقاد” الذين أصابهم فجأة “الزهايمر العلمي“. يذكرني هذا بالأراضي الفلاحية بمدينتنا “الجميلة” التي أكل منها الاسمنت المسلح المغشوش أجود الأراضي الخصبة، رغم معارضة “الرجال” الذين تقزموا أو قُزّموا فجأة إما بالإغراء أو عدم الإصغاء أو الوثائق المزورة التي يحتار فيها القاضي وخبير الأمن والنائب العام. خبروني فقط : كيف بربكم تؤخذ عينة من أرض رديئة لا تصلح سوى للبناء على أساس أنها هي الأرض التي ستوجه بها مشاريع السكن والتجهيزات، بينما الأخيرة تأخذ مكانها بأجود ما تبقى من القطع الفلاحية “الذهبية”!؟… تكاد تبكي دما ودموعا من داخلك وأنت تشاهد غزو الاسمنت عليها وقلة المحصول الفلاحي والعلمي على حد سواء. لا شك أن فاعلها سيلقي جزاءه “لعنات” في الدنيا قبل الآخرة. أم من فرض برامج معلوماتية لتسيير البيداغوجيا، بما يهمل تماما تدخل لجان المداولات وتقزيم عملها في إمضاء محاضر تغير على المقاس إرضاء لبعض الفئات، أم من الإبقاء على التربصات الشكلية فقط لدعم منحة الطالب الهزيلة، واللتين تدفعا كلتيهما من مال “البترول” حتى لا نقول “دعم الدولة”، بدل فرضها على المؤسسات العمومية والخاصة، لقاء عمل المتربص عندها. والتفصيل هنا في الأمر معقد جدا، فلكل قراره وتبريره المستقل تماما وكأننا نعيش في جزر بعيدة عن مركز القرار، أكثر من بعد جزر “الفوكلاند” عن بريطانيا “العظمى” ولا أقصد هنا “القوة الإقليمية”، فـ”بوارج القانون” حتما ستتوه قبل أن تصل إلى السواحل… آه نسيت شيئا مهما جدا : لقد أصبح للمدير بالمؤسسة مدراء فوق العادة، وهؤلاء قد يكون منهم أبسط موظف بها “يحكم باحكامو” لأنه يهدد بوسائطه “الوهمية” أكثر مما يهدده شريط “فضيحة” أو تسجيل “مسرب”… لقد نسيت أن الشريط المسرب هو اليوم من “الموضة” ويعني باختصار “جرعة التسخير” أو “عقار التذليل” الذي صَنع من بشر “كرمه الله” مركوبا “مذللا” غير “مدلل”، من يوم أخرجت وثائق “ويكيليكس” فأشعلت ثورات سرعان ما أخمدت براكينها فنفثت سموما على الأحياء ولم تخرج من باطن الأرض سوى ما ينبت “الزقوم”. إنها أشبه بغاز “الشيست” يأخذه “الغير” بدراهم معدودة منا ونحن في ذلك “من الزاهدين” ويشرب من سمومه، على الريق، ويأكل الأهل مجبرين لا مخيرين.

في الأخير سأختصر عليكم الطريق لمن يتساءل عن النهاية والمآل!… لا زلت يا قومي أكثر تفاؤلا بما سيأتينا به الغيب، لأني أؤمن بأن الأرض يرثها عباد الله الصالحون، فلا يغرنكم كثرة الشر والطالحين. وللحديث بقية …/…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *