المرحلة الأخيرة…فم الوحش لا يميز…

تابع لسلسة مقالات … نقطة الانعطاف الإستراتيجية… #قاوم_لتبقى_وفكر_لتعيش…

المرحلة الأخيرة…فم الوحش لا يميز…

1. مرحلة الاستقطاب والاكتشاف :

مرت مراحل استقطاب المميزين في العالم العربي بانتقائية مدروسة، ثم جرى استنساخهم مثل ما تزور أوراق العملة. بدأت بالقومية ثم الزعامة لتصل إلى الثورات. وكان لكل مرحلة عيناتها وتجاربها الخاصة، وكأنني أتحدث هنا عن تصفيات من أجل تصفية. إنني هنا، في الحقيقة، أتحدث عن تصفية متعددة الأوجه والجوانب، مرت عبر تصفيات : الإخلاص، الرجولة، النخوة، الشهامة،الهوية، الشرف، التراث،… إذا أردت لإنسان أن يحطم نفسه بنفسه فاقتل فيه “الشرف”.

وهنا يحضرني سؤال مهم، كنت قد حاولت معالجته من خلال أسئلة الأصدقاء، وهو يخص كيفية إحداث توازن بين “العقل” و”العاطفة”. لقد اكتشفت من خلال تفكير، لا أقول أنه كان عميقا، لكنه كان بشكل إحساس غريب، أشبه بالحاسة السادسة. إنها بالفعل حاسة حقيقية لمن أراد أن يتأكد، لكن هذا موضوع آخر، ربما سيكون أكثره فلسفة قد تبتعد قليلا عن المنطق… فأي منطق للروح حين تخبرك عبر “أحلام” عن مستقبل آت!؟ كانت إجابتي على السؤال تقول : إن “العقل” و”العاطفة” شيء واحد، لكنه زمن “النظر” هو الذي يجعل الإنسان يفقد “ثمرات الحكمة”. إن في عقولنا موازين، تضع كائنات “لطيفة” في كفة وأخرى “غامضة ومخيفة” وأحيانا هي “بشعة وخبيثة” في كفة أخرى، فأيها رجح، كانت الغلبة : إما هو النجاح والفلاح وحسن التدبير أو التهور فالارتباك وسوء المصير. ليس الحكمة إذا إلا في التحكم بتلك الكائنات! ولأن الحياة الدنيا فانية، فيموت فيها “الإنسان” ولا يموت “إبليس”، فمن السهل أن تقتل تلك “اللطيفة” ولن تقدر  أبدا على قتل نظيراتها في الطرف الآخر النقيض، لكن يمكنك سجنها ولو إلى حين! نعم ليس هناك حياة دنيوية مثالية، لكن هناك “#أمثل_حياة_فانية..

وأسرد مثالا واحد، من بين أمثلة عديدة، نكبات مرت كالسوسة بأوطاننا، وهي تذكرني بقصيدة أحمد شوقي “كان للغربان في العصر مليك…”.  لست أدري كيف لا زلت أحفظ العديد من أبياتها، رغم مرور أكثر من 30 سنة!؟ جزى الله أساتذتنا القدامى كل خير، لو أنهم التزموا بالبرامج الرسمية، لكنا اليوم مجرد ببغاوات في أقفاص المواعيد الثقافية…

وأنا صغير قرأت لرضا حوحو ولجبران والمنفلوطي وجورجي زيدان وغيرهم، ولم أشأ أن أقرأ كثيرا لبوجدرة والطاهر وطار ولا لطه حسين أو نجيب محفوظ، رغم أنهم كانوا يعتبرون رواد عصرهم، وهكذا قيل عنهم… أنا في الحقيقة لم ألمس ذلك في أساليبهم، وهذا رأيي الشخصي، ولعلني كنت أشتم شيئا غير طبيعي في كتاباتهم ولي بعض القصص في ذلك مع أصدقاء وزملاء… لدي أسلوبي الخاص في تذوق الأدب، فهو عندي مثل طبق الأم مقارنة بأطباق الخالات والعمات وأمهات الجيرة…  ولست أتهم أي أحد منهم في عرضه ولا ميراثه ولا حتى تبعية فكره.

على الرغم من دعم هذا ليصل إلى مستوى ذاك ولو بملأ مكتبات بكتب لا تغادر الرفوف، إلا أنه لم يكن هناك إقصاء، لا لهذا ولا لذاك. كانت هناك كائنات “لطيفة” لا تزال تعيش في كوكب القلب الحي لكل منا. إنني أشبه حاله بحال كوكب الأرض قبل أن تجثم على سطحه نافثات السموم وتغرس بتربته أبشع الألغام… تلك الكائنات كانت لا تزال سدا منيعا ضد الهجرة “الروحية” الجماعية، التي تطورت اليوم لتصبح “جسدية”. يقال أن أسوأ قتلة للإنسان، في الحقيقة، ليست باستخدام تلك الأدوات البشعة من عصور الظلام، لأن المسلطة عليه قد يموت لوحده، ثم يصبح بطلا خرافيا يحيي الكثير من طيور “الفينيق” الملهمة، لكنها بقتل تلك الكائنات “اللطيفة”، بعدها سيصبح الإنسان وحشا بريا، وجد ليَصطاد ويُصطاد في النهاية. ربما سيحتفظ ببعضها خوفا من الانقراض أو لصنع كائنات أخرى أكثر فتكا وضراوة، فعلى الرغم من اكتشاف كائنات ضخمة وعملاقة انقرضت من أحقاب إلا أن هناك محاولات حثيثة لإعادة بعثها من المخابر. إنها لعبة المراحل… كلنا لها معرضون، من أبسط إنسان إلى أجل عالم.

المرحلة كانت ولا شك “الاكتشاف”.

2. مرحلة الصدام :

المرحلة التالية، هي مرحلة “الصدام” : كانت مرحلة ضرورية ليعرف من خلالها أي الكائنات لا تزال مخفية في روح وقلب الإنسان. فكوامن النفس لا تخرج إلا بالصدمة. دعونا من خرافة المؤلفين الجادين والكتاب الحداثيين وحتى العصاميين، فمرحلتهم قاربت على الأفول أو لنقل انتهى دور بعضهم إلى حين… ومن يهتم!؟ فإنما الفترة كانت مراقبة عصارة الإخلاص وثمرة الاعوجاج، حين تضعهم على مائدة واحدة. ولست مجبرا على تسليم أي أحد من الشعوب ملعقة أو سكينا أم غير ذلك. إنها تجربة كتلك التي تجرى على مواد جديدة تتفاعل في مخبر غير مجهز. لن تخسر في الأخير الكثير، لكن ربما ستكتشف “العجب”.

سأكمل الباقي على فترات، وهو يخص المراحل التالية…

3. مرحلة الاحتواء : تم فيها قتل الرجولة وكسر الشوكة. أن تحتوي أحدهم ليس فقط أن تحاصره من كل جانب، ثم تقوم بسجنه أو استخدامه، فقط يكون ذلك خطأ جسيما، توشك معه أن تضيع إلى الأبد فرصة التعرف على قدراته وما يمكنه أن يسبب لك من مشاكل إذا ما كان احتواءك له مستعجلا. دعه يخرج أقصى ما لديه. أوهمه أن بإمكانه فعل المستحيل وتحقيق انجازات ومكاسب وتقدم نحو حلم رسمه في عقله. إنه فرصة التعرف على العقل الواعي واللاوعي في نفس الآن. الأمر سيكون أشبه بلعبة مسلية على الرغم من بشاعتها، كأن تجرب حظك في صيد صعب. كأنك هنا تبحث عن مناورة يمكنك فيها استخدام جميع الأسلحة من دون تحفظ. في الأخير ستتعرف على كافة قدراته وجوانب شخصيته وجميع حيله وبذلك فقط يمكن احتواءه وترويضه أو التخلص منه، على قدر ما يمكنك استغلاله لاحقا أو ما يشكله من خطورة. في الأخير، تلك الرجولة التي طالما فتنت الأنصار والمعجبين ستتحطم، لكن من دون أن تحدث صوتا. إنها فقط تنتهي ساعتها ومغامرتها، وسيكون ذلك جليا للمتفرجين وكافيا لاقناعهم بأن بطولته كانت مجرد مغامرة غير محسوبة.

4. مرحلة الإلهاء : تم فيها إضافة جرعات لقتل النخوة والشهامة،

5. مرحلة الابتزاز : وهي مرحلة قتل الشرف “بامتياز”.

6. مرحلة الإبادة : عن قريب، وفيها سيتم إعلان حرب على الجميع ليصبحوا جميعا عبيدا… ولا يهم أين تكون وأنت في فم الوحش، ففي الأخير ستطحن أوتبلع حيا…

إنها حكاية أمتنا مع الأمم الحاقدة.

…/… للحديث بقية…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *