عصر “الانتقاء” أو “التحريف الذكي”.

عصر “الانتقاء” أو “التحريف الذكي”.
أكيد أن تحريف الكتب السماوية لم يكن بين عشية وضحاها، بل إن ثقة الناس الكبيرة في أولئك الرهبان الذين كانوا يعرفون الكتاب كما يعرفون أبناءهم، جعلتهم يصدقون رواياتهم المحرفة، إذ كانوا يلوون ألسنتهم بالكتاب وما هو من الكتاب، وكانوا يقولون هو من عند الله وما هو من عند الله.

لكن القرآن الكريم تمنّع بحفظ الله من محاولات متكررة للتحريف، فكان يحفظه الجميع صغيرا وكبيرا ولم يكن حكرا على فئة مميزة من الناس، لكن السنة النبوية وإن حفظت بنفس الآلية، فإنها تعرضت ليس فقط للتحريف “الخطير” بمعنى تغيير الكلم عن مواضعه ولا بالوضع فقط، فذلك قد حصرت مخاطره بآليتين : السنن الفعلية وسند الرواية، إنما أخطر من ذلك هو تعرضها للانتقاء.

لم يكن الانتقاء في الحقيقة سوى في العصر الحديث، ويمكن أن يحصر عصره بين القرن الثامن عشر والواحد والعشرين. ولا يزال تحديث ذلك الانتقاء يسير بوتيرة احترافية، ذكية وسريعة، مستغلا في ذلك الإعلام والتقنية المعلوماتية.

إلى وقت مضى، قد لا يتجاوز 50 سنة، لم يكن أحد يتحدث في الفقه مثلا سوى عن مذاهب أربعة، وهي المنتشرة بكثرة في الوطن الإسلامي وبعض المذاهب المحصورة في مناطق منعزلة، لكنها لا تختلف كثيرا في أصول الفقه عن ما جاء في صحاح السنة النبوية.

بظهور الحركات السياسية في الوطن العربي كان لزاما على حاملي المشاريع الإسلامية الوقوف في وجه التغريب الذي اتخذ طابع العلمانية والديمقراطية بما تمليه التعاليم الغربية. لم يكن من الممكن الوقوف في وجه ذلك المد بالاعتزال والتجريم والعقوبة المعنوية والمادية، كما حدث في بداية الفتوحات حين وصلت بلاد فارس والهند والروم ووجد العلماء أنفسهم في مواجهة الفلسفة الهندية والإغريقية والرومانية وعلم الكلام الذي ينبع من الحضارات القديمة المتعاقبة على تلك الأمصار. رغم ذلك فقد لحق السنة النبوية وتفسير القرآن الكريم الكثير من الحشو الذي كان يحمله أهل الكتاب باحتكاكهم بالمدارس الإسلامية. فقد أخذ عنهم الكثير من علماء المسلمين مأثورات وقصصا وأساطير توراتية وهي ما كانت تسمى بالإسرائيليات، مثل روايات كعب الأحبار ووهب بن منبه والسدي وغيرهم. وقد سمي من كان يأخذ عنهم بشكل مكثف “المكثرون”. كان لزاما على تلك الحركات الاجتهاد في إنشاء مناهج تضبط سير العمل على أسس المذاهب، بدعم الاجتهاد ودمج الفقه واستخدام العلوم الحديثة في الاستنباط والقياس وما إلى غير ذلك من آليات البحث والاجتهاد.

تلك الحركات الإسلامية والتي كانت تعتبر امتدادا للحركات الثورية التحررية في الوطن العربي، سرعان ما وجدت لنفسها مدارس وكونت علماء أعادوا توطيد صلة الأمة بأصول دينها وهويتها وحضارتها من جهة، كما حرصوا في نفس الوقت على مواكبة عصرها من دون الذوبان في بحره الزاخر المشوب والذي كانت تطغى عليها الحضارة الغربية “العلمية” من جهة أخرى. ذلك التطور السريع والذي بدأ يستقطب شرائح واسعة من الأمة، سرعان ما وصل إلى الصدام مع منظري الحركات التحررية المنطلقة من مفاهيم أغلبها سليلة ثقافة تحررية غربية، لكنها بالوطن العربي كان الاستعمار هو الحاضن والموجه والمؤطر.

لم يكن ذلك الصراع الذي اتخذ ألوانا شتى من الأساليب العلمية والتي أغلبها كان قمعيا كافيا لإيقاف تلك الحركات التي أوشكت أن ترجح الكفة بأبسط الوسائل المتاحة، مقابل الدعم المكثف والاحتكار الذي كان يتلقاه الطرف الآخر في الصراع من الغرب الاستعماري، فكان لزاما التفكير في أسلوب آخر أكثر استقطابا للأفراد والجماعات وفي نفس الوقت أكثر ردعا وعزلا لتلك الحركات الحاملة للمشروع الإسلامي.

لم يكن هناك بد من اللجوء إلى نفس الآليات والمصادر التي كان تعتمدها المناهج الإسلامية، لكن مع تغيير في التركيبة، كما يحدث تماما في إعادة استخدام الرقائق الالكترونية بتعطيل أجزاء مهمة من خواص رئيسية واستخدام خواص أخرى بالتضخيم والانتقاء، من أجل خلق صراع داخل تلك الحركات نفسها، وبذلك تضمن نجاح مهمتين أساسيتين متلازمتين : تكوين حركات مشابهة متحكم فيها بمناهج مشاكسة، وخلق البلبلة في أوساط الأنصار بدعم الخروج والتمرد عنها.

لمدة خمسين سنة، كان الانتقاء يجري على مراحل كانت تسير خطوة “تشويه” وراء كل خطوة “اجتهاد”. ولأبين للقارئ  بعض الخطوات، فقد شهدت السبعينيات وصول أولى أشعة الصحوة إلى بلاد المغرب العربي، فكانت البداية بالحلقات والتأليف، الشيء الذي كان يضم الجميع من دون استثناء، فلم تكن هناك نداءات استنكار إلا بشكل مقتضب من طرف بعض المحافظين الذين كانوا في البداية ينكرون على تلك الحركات استحداث تلك الأساليب التي لم تكن معتمدة من قبل، أو من بعض محاولات التجنيد المعارضة التي كانت تعتمد أسلوب الطرق القديمة التي عافها الزمن مثل الشطحات الضالة في شكل طقوس وخرافات والتي وجدت لها في نفوس الشعوب الأمية الكثير من الاعتناق والتبني. ثم انتقل العمل إلى مرحلة الصوتيات، فكانت أشرطة المحاضرات تصل من شتى أنحاء العالم الإسلامي الواعي وهو ما أحدث خلطا للأوراق، فبدأ الخلاف يدب في أوساط المعارضين والمحافظين على حد السواء. وكان لزاما عليهم مواكبة ذلك التطور بعد أن شهدوا تأخرهم وهم يرون نجاح الآخر الباهر، فبدأت الأشرطة الموازية تنتشر عن طريق أفراد معينين على استحياء، لكن بوتيرة مضبوطة ومتحكم فيها. كان لزاما على من وراءهم اللجوء إلى التكوين والاستقطاب ثم التوزيع والانتشار. كل خطوة “اجتهاد” من الطرف الأول كانت تليها خطوة “استنكار” من الطرف الثاني. وعلى سبيل المثال، الحركات الثقافية من فرق أناشيد ومسرح ومختلف النشاطات الجمعوية. لكن سرعان ما يتحول ذلك “الاستنكار” إلى اعتماد أسلوب مشابه مع بعض التغيير الطفيف، يشبه إلى حد ما ذلك التقليد الذي يحصل للمنتج الأصلي، فكان مثلا يحرم استخدام “الدف” في الأناشيد، بعد أن كانت تلك الأناشيد نفسها ومن دون دف عندهم من البدع والمحرمات، لأن الآخر كان يعتمدها وحصل على نجاح باهر، ثم في خطوة تالية، استبدال اللحن الموسيقي الآلي بالترنيم الآدمي، وهكذا كلما اجتهد الأول في فتح باب حاول الآخر غلقه، فإن لم يستطع أتبعه من نفس الباب إلى الباب التالي… وإلى يومنا هذا. ولعل رأي الفقه “المغالي” في الغناء قد أرخى حباله المشددة، بعد أن كان مجرد لمسها من المحرمات المؤدية إلى الكفر.

ولنعود إلى موضوعنا الأهم وهو “الانتقاء”، فقد شهدت أولى محاولاته، تلك المدارس التي كانت تعتمد أسلوب حفظ المتون، ثم اتخذت لنفسها منهج “السلفية” سرعان ما تحول المنهج نفسه إلى مذهب يلغي كل المذاهب بعد أن كان يعتمد عليها. فظهرت في الأمة فرقة جديدة تقول أنه لا يوجد مذاهب، بل هناك فقط “السنة والجماعة” على منهج “السلف الصالح”. كان ذلك المفهوم هلاميا يتلقفه الأتباع من دون وعي، فحين تسأله من أين تأخذ الجماعة نصوصها!؟ فيقول لك من السنة. وحين تسأله من أين لنا بنصوص السنة!؟ يقول لك : من صحاح الكتب، لكنه سرعان ما يتهرب حين يعلم أن نفس المذاهب التي أصبح يلغي وجودها من سلف الأمة، إنما تأخذ نصوصها من نفس تلك الصحاح. فكانت تلك الفرقة في عزلة عن المجتمع، لكنها في نفس الوقت في تكاثر مضطرد عن طريق الدعم المادي ونشاط المشيخة بالصوتيات وبمنهج الاتجاه الواحد، أن لا يناقش الشيخ في مرتبته العالية من طرف من هو أقل منه رتبة في العلم ولا تنتظر القاعدة في مستواها السفلي سوى الأوامر التي كانت ولا زالت تأتي في شكل فتاوى مرقمة بأسلوب “ما حكم الأمر الفلاني!؟”، فقسمت الأمة في نظرهم إلى أربع مراتب : صفوة الصفوة وكبار أهل العلم وصغاره ثم العوام. اعتماد أسلوب المظاهر كان له الأثر البالغ والذي وجد القبول في نفس الشعوب لأنه اتخذ أسلوب التحدي المقدس. ضف إلى ذلك وخوفا على الناشطين والذين معظمهم ليس له مستوى أكاديمي يسمح له بالحوار والمناقشة كانت الأوامر صارمة في أن يبتعد الجميع عن الحوار الفكري وخاصة الفلسفي مع الآخر، خشية التأثر. كانوا يسمونه “جدلا”.
أخذ النشاط الدعوي يميل إلى التطرف والتشدد بظهور فتاوى “الفرادى” التي كثيرا ما كنت تصطدم بالحجة الدامغة من المفكرين والعلماء، خاصة وأن تلك الفتاوى لم تكن تمر على أي مجمع علمي ولم تكن تناقش بأي مؤتمر. وقد قسم عملهم إلى ثلاثة أنواع :

– عمل دعوي يشمل العبادات بشكل ضيق جدا، أو ما أسميه “الميكروفقه” لأنه يتحدث عن تفاصيل دقيقة في العبادات ما أنزل الله بها من سلطان وبما يشبه “بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين…”. هذا العمل يتكفل به مشايخ وحفاظ نصوص تخرجوا من حلقات علم خاصة، وارتقوا بسرعة البرق إلى مرتبة كبار علماء موزعين على الأقطار الإسلامية مدعمين بالتزكية الخارجية. هذا العمل بعد أن كان محصورا في البيت والعمل، بدأ يزحف بقوة نحو إنشاء المصليات واقتحام المساجد بشتى أنواع المكر والصدام الذي وصل إلى حد استخدام القوة العضلية؛

– عمل سياسي يقتصر في توفير الدعم للحكام، مهما كانت توجهاتهم إلا أن يكونوا من حاملي المشروع الإسلامي فهم خصمهم اللدود، بإطلاق فتاوى “الذلة والمسكنة” لأتباعهم و”التحريض والتبديع والتضليل والتكفير” على خصومهم. هذا العمل تطور إلى عرض العمالة والجوسسة على الأخر وبشكل مجاني، من أجل التقرب إلى الحاكم والسلطة والنظام بشكل عام؛

– عمل إعلامي ينحصر في توفير المادة الإعلامية الدعائية بالكذب والتلفيق والتدليس ضد الخصوم. هذا العمل أصبح يتم في تنسيق تام غير معلن وربما متناغم مع فساق الإعلام وصحافة الفضائح، فلم يتركوا عالما ولا مخلصا ولا عاملا في الحقل الإسلامي من خصومهم إلا ولفقوا له تهمة أو فضيحة أو زورا له مادة أو وثيقة أو فتاوى أو تصريحا.
ولأن الصدام الفكري ضد هؤلاء كان يؤتي أكله أحيانا كثيرة، فكان لزاما على من وراء هؤلاء “الجهلة”، الذين لا يفرقون بين مذهب ومدرسة ومنهج، وضعهم في منتديات علمية “ضيقة” مع توفير المادة العلمية بشكل “انتقائي”. ولعل أول ما نلاحظه في ذلك إعادة تصنيف الأحاديث بالتقوية والتضعيف، فهو لا يستمع إليك إذا ما ذكرت له حديثا ولم تأتي بالسند، ثم انتقل من المطالبة بالسند إلى اقتران ذكر الحديث بمصفاة “المحدث” المعتمد لديه، فلا يجب أن تذكر حديثا ولو كان في صحاح الكتب من دون أن تمرره على عالم حديث معتمد عنده، فلن يقبل منك نصا لم يحسنه فلان دون غيره.
لقد بدأ بالفعل عصر “الانتقاء” أو “التحريف الذكي” وهو إعادة طبع الصحاح مع حذف بعض الأحاديث القوية والخاصة، وإضافة الكثير من الأحاديث الضعيفة مع إعادة تصنيفها لتأخذ الحكم في أمور لا علاقة لها بها. هذه المشاريع الجديدة سوف لن تأخذ نفس الأسماء من صحيح البخاري ومسلم والترمذي وغيره، بل ربما ستكون تحت عنوان جديد ومصنفات جديدة تأخذ لها عنوانا براقا مثل “جامع الصحاح” أو “نصوص السنة والجماعة” أو “موسوعة السنة النبوية”. ولا تسألني عن العلماء، فلم يعد هناك بلد عربي واحد ينعم بالاستقرار ليكون علماءه في مأمن من الملاحقة والابتلاء، ناهيك عن استحالة تنظيم مؤتمرات علمية عالمية، مثل ما كان يحدث في الجزائر باسم “ملتقى الفكر الإسلامي”.

الأحداث السياسية المتسارعة فجرت فضائح وفضائع نسفت كل ما كان يتبجح به أولئك المشايخ، الذين ضخم الإعلام والدعم المادي مراتبهم عنان السماء، من التدين القوي الأصيل، فظهرت التصريحات والفتاوى بتناقض صارخ بين البارحة واليوم، فتجد لشيخ يعد من أكابر العلماء تصريحا أو فتوى البارحة، سرعان ما ينقضه في يوم موال بشكل مخالف تماما ومن دون تبرير. لقد تركوا أتباعهم حيارى، فمنهم من توارى عن الناس من سوء ما بدا له من شيخه، ومنهم من اعتزل كليا وعاد إلى حياته الطبيعية، ومنهم من أخذته العزة بالإثم، فكان ممن يقال فيهم “عنزة ولو طارت”. لقد وصل الأمر ببعضهم إلى المطابقة التامة في تصريحاتهم وأحكامهم مع الأعداء وفساق الإعلام الذين يتلقون الدعم بكل أنواعه من الصهاينة والغرب الحاقد.
أتت المحن السياسية في حق العلماء والعاملين المخلصين في الحقل الدعوي والإعلامي والسياسي، من قتل وقمع وحبس وتشريد، حبلى بالمفاجآت، وبالضربات القاصمة، فأصبح اليوم واضحا جليا للحواس من كان يعبد الله بحق وإخلاص ومن كان يتخذ من بعض عباده أربابا من دون الله. لذلك أقول إنه الوقت المناسب للصبر والعمل والاحتساب، لكن مع عدم تجاهل كل من له ذرة في الأذى والدفع نحو الفتنة والتجارة بدين الله. لقد بان اليوم كل المكر ولم يعد يخفى على أحد من الأمة من يعمل لصالحها بالوعي واليقظة ليعيد جمعها وألفتها ومن أصبح عليها ثقلا، يشتت أمرها ويفتن أفرادها ويجرها بذلك إلى الهاوية.

تنبيه…
هذا المنشور مجرد اجتهاد شخصي ونظرة للأحداث عن قرب وعن كثب، أعتبره تجربة شخصية في متابعة أحداث، عشت الكثير من معالمها وتفاصيل أحداثها على مدى أكثر من أربعين عاما. لعل البعض يخالفني الرأي ويصحح لي بعض الأفكار والمفاهيم، لكن لا يجب أبد تُفهم حروفي وكلماتي أنها موجهة إلى أحد في شخصه أو منطقة بعينها وذلك ما أنفيه نفيا قاطعا، فأنا رغم الأحداث لا زلت أعتبر أن الوطن الإسلامي، خاصة العربي واحد في تركيبته إلا من بعض الفروق البسيطة التي تميز المجتمعات عن بعضها، لأنه في نظري لا زال أفراده يعيشون نفس الظروف ولو كانوا تحت أنظمة مختلفة. فهم في اعتقادي أمة واحدة وعدوهم واحد وإن فعل المكر فعلته وطال مكث ظلمته على أطناب هذه الأرض الطيبة التي سار فوقها الصالحون وتركوا لنا دعواتهم التي لا تزال تحفظنا من الذوبان والتلاشي إلى أن يأتي أمر الله بالنصر أو العقاب. فاللهم اجعلنا من أمة النصر والتمكين لا أمة التولي والعقاب. أما أني سأغضب فئة من المجتمع أراها دخيلة على الأمة، فذلك على مسؤوليتي وعن يقين وتبصر، لكني في الأخير إنما أعتمد أسلوب الصدع والصدمة، لعل هؤلاء يعودون إلى رشدهم وينقذوا أنفسهم قبل أن تصيب دما حراما وتقطع حبالها مع الأوبة إلى الأمة والتوبة إلى الله.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *