يوميات بائسة

#يوميات_بائسة…
منذ يومين كنت على موعدي الذي لم أعد لأحصي عدد المرات التي وعدت فيها عن طريقه بالحصول على وثائقي من أحد الأبنية الإدارية التي لا تزال تشتغل في عصر المعلوماتية بثقافة “الشغل المليح يطوّل”…
المهم كان ذلك اليوم هو الأخير كي أحصل على ورقة تستحق العرس والمعازيم، لكن يبدو أن السعادة ماتت في القلب فما تغني المظاهر على قبر الراحل!؟ دخلت المكتب مع الأوائل وكنت مستغربا جدا، كيف أني موجود مع بضعة أفراد فقط رغم التدافع الذي حصل في الباب الرئيسي ورغم أنه اليوم الأسبوعي الوحيد الذي يستقبل فيه المواطن! لا تستغربوا فالعادة حين تتجذر تصبح من الأعراف، كما هو الحال مع أحد عادات العشائر في بعض مناطقنا على أطراف الجغرافيا المنسية، إذ يحدث بين أقارب العريس و العروس شجار دموي يوم يؤتى بها إلى بيتها الجديد… لا تستغربوا، ليس في الأمر سوء تفاهم أو تعدي من أحد الأطراف، بل مجرد عادة “جاهلية” لست أدري من بدأها ولأي سبب!؟ البعض يقول أنها تعني إظهار “الرجولة” والبعض الآخر يضعها في خانة “تمجيد الذكرى” بإسالة الدماء… مرحبا بكم! هنا إفريقيا، بلد الطقوس البدائية.
ونحن نهم بالدخول لمكتب يضم أكثر من أربعة موظفين، أغلبهم نساء، إذ خرج علينا قيّمهم بوجه متجهم، ينم عن “سبّة ولقاتها حدورة” : اسمحوا لنا يا جماعة، لقد استدعانا الوالي لأمر مهم جدا…
لم يفصح عن ذلك الأمر المهم، ربما خشية أن يتفطن من حولَه للخدعة، إذ كانت تقاسيم وجهه وعدم انسجام عباراته توحي بوجود “عروسة وقالوا لها ولْولي”. وإنك لتقرأ التلفيق في عينيه وهو يرقع ما نسج في عَجل من خياله الصباحي من تلك العباءة المهترئة، التي لا تقبل الترقيع… طبعا كأي إدارة عجزت التقنية الجديدة عن توبتها وإعادتها إلى جادة الصواب، لا بد أن يحدث تذمر واحتجاج على هذا القرار المفاجئ، سرعان ما يخفت الكلام ليصبح تمتمة ويعود أكثرهم أدراجه وقد تعود جر أذيال الخيبة وهو يقول في نفسه مهدهدا غضبها ” كل عطلة فيها خير”… لكن هناك “الصامت” وهناك أيضا “الصّامط”… فهو لن يغادر قبل إحداث الجلبة. وبحكم تجربتي مع الإدارة، قلت لذلك الموظف الذي يبدو على ظاهره الصلاح ومخبره يوحي لك بدَخَن السريرة : “حسنا! لا عليك، نحن نتفهم، لكن دعني فقط أحدث الموظفة في عجل عن ملف دعيت اليوم لتسليمه وأنا متأكد من أنه جاهز، حسب رواية فلان الذي يعمل معكم…”. تغاضى عن دخولي إلى المكتب، فلم أترك له فرصة للرد، بل توجهت فورا إلى الموظفة التي أصبحت تعرف عني كل شيء، بحكم عديد الأخطاء المصححة بملفي وكثرة مراجعة التحديثات القانونية… وقبل أن أكمل عبارة كنت قد نسجتها بإحكام لأكون سريعا في الإقناع، قاطعتني : “نعم! ملفك جاهز… انتظر قليلا لأسلمه لك!”. استغربت الأمر وتجاهلت الموقف… وقلت في نفسي : “أليست هي معنية بالذهاب إلى الاجتماع كما حدثني زميلها المسؤول هناك!؟…، خاصة أنه كان يريد غلق المكتب كل ذلك اليوم بما فيه!”. تجاهلت الخصومات الجانبية التي بدأت تنبت كالفطر هنا وهناك على عتبة الباب… كل ذلك وصاحبنا لا زال يقنعهم بأن الأمر يتجاوزه… وكعادتي أتذكر دائما قصة الأثر وموقف الشيخ الكبير في حضرة النبي داود عليه السلام يصنع درعا، ولا يدري ما هو، لكنه لا يسأل… إلى أن ينتهي منه وهو يضعه جانبا ويقول “نِعْم الدرع لَبوس الحرب”، فيحصل على الجواب من غير سؤال… هي حكمة لا ينتبه لها الكثير! وأنا أنتظر الموظفة وهي تخرج سجّلا كبيرا من الدرج، توجه إليها صاحبنا وهو يقول : “ألا تسرعي قليلا، فاليوم كما تدري هناك اجتماع!؟”، دون أن يفصح عن فحواه كالعادة… فقالت له غير مكترثة : “اليوم هو يوم استقبال المواطنين، وأنا غير معنية باجتماعات الانتخابات…”، ثم أردفت قائلة : “ألم يجدوا غير هذا اليوم لبرمجة الاجتماع!؟ عندها فقط فهمنا وعرف الجميع أن الأمر يتعلق بتنظيم الانتخابات البرلمانية المقبلة… أشاح عنها عنها المسؤول على المكتب بوجه ناكر، ثم هو لا يزال يقنع المواطنين من حوله بأن باقي الموظفين بذلك المكتب معنيون بالغياب ذلك اليوم… وإذا بموظف آخر يأتي ليقف خلف أحد المكاتب… كان في حدود منتصف الخمسينيات من العمر… أخذ له موضعا أمام مكتب يبدو أنه خاصته، ثم توجه لمن بقي من المواطنين الغاضبين قائلا : ” ما لكم هكذا تقفون وتتذمرون!؟ اذهبوا لتشتكوا إلى المدير… هو حقكم! فلماذا تصرون على التحدث مع الموظفين… إنه يومكم الأسبوعي الوحيد وغير معقول أن يبرمج لأجل مهمة خارج المؤسسة الإدارية….”. كنت أنظر إليه نظرة إعجاب وأشم في عباراته رائحة من بقي من المخلصين بهذا البلد، وفي نفس الوقت متعجب من جرأته غير المعهودة… سأله أحدهم عن مكان المدير، وكأنه يريد منه، في الحقيقة، جوابا تعجيزيا، لكن صاحبنا الجديد، قال له : “هو على بعد مئات أمتار فقط، بمبنى الإدارة العامة… اذهبوا إليه واشتكوا ودعكم من التذمر… غريب سكوتكم عن حقوقكم بهذا الشكل المهين!”.
وأنا في نفس الوقت مشغول بالإمضاء على الوثائق، كنت أستمتع بذلك الحديث ونفسي تحدثني بأشياء كثيرة أخرى… لقد عادت بي الذاكرة إلى أيام النضال في الجمعيات والتي عرفت منها الجم الكثير من عفن المسؤول والإدارة على مختلف مستوياتها من الوالي إلى المير… ثم جهل المواطن وخوفه وتثبيطه لكل همة ومهمة…
أخذت وثائقي وخرجت من المكتب وقد التقطت أذني… عبارة لأحد المواطنين الغاضبين وهو يخاطب رفيقه متمتما : “ليس لدي وقت لأذهب إلى المدير حاليا، وربما هو بعيد وغير موجود… ووو …”. عبارات لطالما صنعت جهلنا وخوفنا وثبطت الكثير من عزائمنا… أمقتها، أصاب منها بالخيبة والقلق…
المهم في الأخير عدت أدراجي لأشكر الموظفة وأوزع بالمناسبة بعض الحلويات الخفيفة التي أتيت بها معي احتفاء بالأمر… لا تستغربوا، هي عادة صنعتها لنفسي، ربما استوحيتها من ذكريات وعادات طيبة قديمة… ثم قلت للموظف الجريء في ابتسامة “غير بريئة” : “لعلك قريبا ستذهب للتقاعد! أليس كذلك!؟”.
يبدو أنه فهم المعنى ولم يعر لذلك كثير اهتمام، ثم قال : “والله يا شيخ سئمت من هؤلاء “الغاشي” وكيف أنهم لا يدافعون عن حقوقهم، ثم نحن صباح مساء ندفع الثمن معهم ومع المسؤولين!؟”.
عدت ذلك اليوم وبداخلي سرور من كثير من الأمور، لعل أهمها أني تيقنت أن الدنيا لا تزال بخير مع أمثال تلك العينة من الموظفين، الذين كان بإمكانهم دونما مساءلة مغادرة مكاتبهم ذلك اليوم وما فعلوا؛ ومن جهة أخرى محبط من عينة جيل جديد من المواطنين، ليس فيها “هش” ولا “بش” ولا “نش”… فقط ترى فيها نظرة ‘النفاق” و”الغش”… وكم أصبح وسطهم وعر “العيش”… وتصبحون على خير وعافية.