مدونة عمر الحاج

مدونة وموقع الأستاذ عمر الحاج

موقع عمر الحاج

موقع الأستاذ عمر الحاج هو موقع متخصص في مختلف الدروس والمواضيع التي تخص الطالب الجامعي.

اليوم يمر شهر كامل على إضراب الطلبة بجامعة حسيبة بن بوعلي بالشلف. إضراب بدأ بانتهاء مداولات أفرزت عن نتائج غير مرضية للطلبة المتخرجين بشهادة ليسانس في التربية البدنية. وحسب ما ذكر وعلق من شعارات، أن الشهادة لم يعترف بها من طرف مصالح الوظيفة العمومية بسبب غموض الاختصاص المذكور “مدرب”. كما أنهم طالبوا بالسماح لجميع الطلبة المتخرجين بمتابعة الدراسة بالماستر. وهو الشيء المستحيل حسب القوانين المعمول بها. وهنا أسجل تكون نواة كرة الثلج الأولى : إدارة لم تكن تتوقع وطلبة لم يكونوا على دراية.
أحكم الطلبة قبضتهم على البوابة الرئيسية لمعهد التربية البدنية، بحيث يمنع أي أحد من الدخول مهما كانت صفته. لم يكن الأمر ذات أهمية، سوى لقاءات كانت تجري بين ممثلي الطلبة ومسؤولي المعهد والجامعة. وأتصور أنه كان حوار صم، بدليل أنه لم يفض إلى أي شيئ. فحسب الطلبة أنهم أمام واقع كارثي ومستقبل مسدود وحسب المسؤولين أنهم ملتزمون بقوانين لا يمكنهم الخروج عنها مهما كانت الظروف. هنا أسجل تكون طبقة نواة الثلج الثانية : منطق الأبيض والأسود ولا وجود لخلية أزمة حقيقية. ليس هناك علاقة بين المسؤول والطالب سوى أخذ ورد بورقة مقابل أخرى أو تجاهل بغير حنكة. ليس هناك اكتراث لما يحدث من قبل الأسرة الجامعية سوى تداول العبارة الدارجة “قالّك…” أو “قِيل…” بالفصحى، وكأنها الإذاعة الرسمية الوحيدة للاطلاع على أخبار الجامعة والمجتمع.
بانتهاء الأسبوع الثاني من الإضراب، كنت في جولة مع أحد الأصدقاء وفتحت جهاز الراديو على الإذاعة المحلية، فكان المتكلم وضيف الحصة نائب رئيس الجامعة المكلف بالدراسات يرد على أسئلة المحاور حول مشاكل الجامعة وآفاقها. لم نعر للحديث كثير اهتمام ربما لأننا كنا نريد أن نسمع أخبار جديدة. وفي صباح اليوم التالي، وجدنا حشدا كبيرا للطلبة أمام باب الجامعة الرئيسي المؤدي إلى مبنى رئاسة الجامعة وكلية العلوم الاقتصادية وعلوم التسيير وكذلك تتواجد به أقسام أخرى، منها الإعلام الآلي والهندسة المعمارية. وأمام الباب مجموعة من الطلبة يمنعون أي أحد من الدخول محاطين بشعارات وملصقات تشير لبعض من مطالبهم، منها تصحيح الشهادة والسماح للطلبة بمتابعة الدراسة بالماستر.
لم يكن ربما ذلك الشيء الوحيد الملاحظ فقد سمعنا عن طريق إذاعة “قالّك” أن معهم كذلك يقف متضامنا كل من طلبة كلية البيولوجيا أو معهد الفلاحة. قد تلمسون أني لا أعرف أيهما. في الحقيقة ليس الأمر كذلك! إنما هي قصة أقرب للطرافة منها للخبر. سأورد ذلك مقتضبا في ما بعد. وحتى لا أنسى، كان من بين الشعارات الأخرى ما يدل على أن طلبة كلية العلوم الاقتصادية لديهم كذلك مطالب،منها فتح الماستر على ما أتذكر.
هذا الخليط من المطالب، لم يكن سوى التقاء كرات الثلج التي لم تجد من يذيب أنويتها أو ينزع ما شابها من طبقات صلبة فأصبحت غير قابلة للذوبان.
في المساء التقيت مع صديقي، وكان أول حوار بيننا وحديث الساعة حول الجامعة، فقال : أتذكر حديث نائب رئيس الجامعة للإذاعة!؟ قلت نعم. قال : ما شاهدت اليوم من تطور للإضراب كان ذلك بسببه. لقد كان من بين تصريحاته، أنه لا حل في الأفق لطلبة معهد التربية البدنية. فالنفي المطلق غالبا ما يصطدم بالرفض القاطع.
في تطور مفاجئ، سمعنا في الأسبوع الموالي - إذاعة “قالك” دائما - زيارة مفوض عن الوالي وأعتقد أنه كان رئيس ديوانه، للحديث مع الطلبة وكان الغضب والرفض والإصرار على التصعيد سيد الموقف. لم أعر اهتماما لما حدث، فلا أحد سيعطيك حوصلة الحديث ولا أخبار يمكن معرفتها عن طريق إعلام الجامعة.
في المساء، عادة ما أتحاور مع الطلبة عبر مواقع الاتصال الاجتماعية وأتابع أخبار الجامعة من حوارات وأراء تلمس فيها فيها الصدق على قلتها، فغالبا ما تكون قصيرة ومقتضبة. ومن بين ما كان يتداول سيل الشتائم التي كالها مفوض الوالي للطلبة. فعرفت حينها سبب إصرارهم على غلق أبواب الجامعة كلبا خلال نهاية الأسبوع الثالث وبداية الأسبوع الرابع. واختتمت الأزمة بتبني كل المنظمات الطلابية الإضراب في تجانس للأراء والقرارات يكاد يشبه الظواهر الكونية النادرة.
لأتأكد من الأخبار من مصادرها، زرت نائب رئيس الجامعة بمكتبه لأمر شخصي بحت وهو زميل لي في العمل وصديق أشهد له بنشاطه الدؤوب ومشاريعه المتعددة في مجال تطوير البيداغوجيا بالجامعة. لكن كعادتي أني شديد الحرص أن لا أخلط بين الصداقة والعمل أو بين التزكية والنقد فلدي ما أقوله انتقادا بعد أن أتكلم ما دار بيننا من حديث. فمن بين ما أفسد إداراتنا أنك لا تستطيع أن تصادق إنسانا مع رفض ما يأتي عنه ويكون مخالفا ما هو معمول به أو تزكيه مع انتقاده.
المهم، في تطور للحديث بيننا حول الجامعة، سألته: هل من حل في الأفق!؟ فكانت إجابته بالنفي. إذ في عرض له أنه قام بكل ما لديه من صلاحيات وعلاقات خارجية، من بينها أنه تحصل على 40 مكانا بيداغوجيا لطلبة التربية البدنية يسمح لهم بمتابعة دراستهم بالماستر بجامعة أخرى. لكن الطلبة حسب ما ذكره يريدون الماستر للجميع وبالجامعة الأصلية. تلمست من حديثه إشارة إلى الجهود الأحادية المبذولة وكأنه ليس لهذا المعهد مشرفون أو أساتذة كان عليهم التحضير من جميع النواحي لهذا الجيش المتخرج من الطلبة. ربما أثناء الحديث كنا متفقين على شيئ هو مني به أدرى : لقد ساهم أساتذة المعهد ومسؤوليه بشكل كبير في تكوين ثقافة الطالب التي نشأت من غياب التواصل الاجتماعي والاتصال العلمي ولم تخرج للسطح إلا حين خروجه من دائرة المعهد.

لا أريد أن أدخل في تفاصيل من هو على حق، الإدارة أم الطالب، إنما أترك للقارئ التأمل في الأحداث لاكتشاف الخلل. لكني سأورد بعضا مما غفل عنه الكثير في خضم الأحداث، عبر ملاحظات عاشها الجميع ولم يتحدث عنها أحد :
1. الطلبة الغاضبون هم متخرجون، ولعل أغلبهم أكمل دراسته في شهر جوان، فما الذي أخر حصولهم على الشهادة لغاية شهر نوفمبر!؟
2. لو كان تخرجهم متكفل به، من طرف القطاعات المستخدمة، لكان معظهم قد غادر مقاعد الدراسة للعمل، أم أن شهادة ليسانس، ما هي إلا شكلية أو مرحلة استراحة!؟
3. ما الذي أخر احتجاج الطلبة في المطالبة بمواصلة الدراسة للجميع إلى غاية التخرج!؟ أم كانت الأمور عبارة عن نفق مظلم لا يعرف ما بعده إلا بعد الخروج منه؟ أم أن مراحل الدراسة (ليسانس، ماستر، دكتوراه) ما هي إلا محطات، التوقف فيها يكون حسب الطلب؟ ومن المسؤول عن التعريف بالمسار وشروط كل مرحلة منه :  الإدارة، الأساتذة أم الطلبة!؟ أم هناك حلقة غائبة عن مسلسل الدراسات بالنظام الجديد؟ ربما أريد أن أشير إلى آلية “الإشراف” أو “الوصاية” - Le tutorat - التي ولدت مع النظام الجديد وأهمل استخدامها!؟
4. من المفروض أن تختلف الجامعة عن القطاعات الأخرى، لأنها محركها فهي مصنع الكفاءات.  كما أن المراقبة بها تكون ذاتية، فالطالب كما الأستاذ مسؤول عن نفسه وغيره في مسألة الكم والنوع فلا ينبغي له أن يرضى بتدني مستواه ولا أن يتسبب في ذلك غيره. أما أن تقع الكوارث، من برامج لم تكتمل أو حصص لم تجرى أو غيابات متكررة أو بالجملة ولا شيء يحصل كنتيجة لا بد وأن تكون سلبية، بل تمر الأمور نهاية كل سنة وكأن “يوم حليمة كان سرا”! فذلك لا يهظمه عقل واع!؟
لقد أردت أن أقول، أنه من المفروض أن يكون توقف شهر كامل عن الدراسة مدعاة قوية لرفع الأصوات بوقف هذه “المهزلة” ولا يهم من كان السبب فيها. لقد سكتت كل الأصوات، فلا “نقابة” ولا “رقابة” ولا حتى من الاستنكار “طيف سحابة”! فالجميع كل يوم يبحث له عن منافع خارج الوظيفة. ولما لا!؟ فهي عطلة مدفوعة الأجر وعواقبها كالعادة غير مخيفة!
5. كثيرا ما كنت أزور مكاتب الموظفين، في نهاية السنة المالية، فأجدهم تحت ضغط الآجال المحددة والتعليمات المتجددة والملفات المتعددة. كنت أتصور أنه لو أُخِّرت الأعمال يوما واحدا لحدث زلزال في المواعيد ولضاع الكثير من الحقوق والبرامج المسطرة! لكني والتجربة أمام الجميع، كالمستيقظ من حلم! لعله لم يحدث أي شيئ ولن يحدث! فسيجرى الامتحان كعادته بعد شهر أو شهرين وستدفع المستحقات غير منقوصة ولا متأخرة. فأجدني أكرر مقولة كولن باول - “الأمر ليس بالسوء الذي نتصوره، سيكون الحال أفضل في الصباح“! أم أن هؤلاء الموظفين، في الحقيقة لم تكن الحاجة سوى لنسبة ضئيلة منهم للقيام بكل شيء أما الباقي فيحفظ الله دوام “البترول” في غياب “الكونترول”… و” اليوم سمر وغدا أمر”… وحفظ الله البلد من الخونة والأعداء، فهم اليوم، كعدد الدود الذي يحلل الجيفة بمجرد تعفنها. معذرة! فلم أجد أقرف وصف لهم سوى هذا المثل.
6. عندما أذهب صباحا إلى الجامعة وأجد الجميع، طلبة، أساتذة وعمالا، جماعات تتبادل الأحاديث المسلية والنكت الطريفة وحين تنظر إلى الأبواب تجد ربما طالبين أو ثلاثة، واقفين أمامها لمنع الجميع من الدخول وتنظر إلى المباني الخاوية من عروضها وعلى عروشها، تتأكد أن المعركة ليست سوى بين المسؤول الأول الغائب والطالب الغاضب. ولو تساءلت عن السبب، فلن يجيبك عنه أحد، لكنك ستسمع من كل منهم قصة جعلته ينفض يده من الأمر بمعروف أو النهي عن منكر. إن لغة “الأنا” كسرت كل “الأيادي” وعكرت صفو كل “النوايا”.
7. كثيرا ما أردد بيني وبين نفسي : هل نحن حقيقة في أزمة!؟ البرنامج المسطر يقول “نعم!” والمسؤول يقول “ليس عندي حل!“. لكني أقول ” أن لديه الكثير من العمل والحلول“، ربما ليس للأزمة بحد ذاتها، إنما للأزمات التي ستأتي بعدها. فهل يعقل أن لا وجود لـ”خلية أزمة” تدرس المشكلة، تحلل الوضع، تضع الحلول وتجزأ المعقدة منها والطويلة المدى وتضع الاستراتيجيات على المدى القريب والبعيد. لا أتكلم هنا عن الاجتماعات بين المسؤولين، التي عادة ما تنتهي بمحاضر لا تقرأ، بل ترسل منها نسخ للفوق مركزة بـ”براسيتامول مسكن للغضب” ولا يكون ذلك عادة إلا عندما تأتي تعليمات فوقية مستعجلة. إننا نجيد استخدام لغة الكم عندما لا تكون هناك ضرورة للنوعية! وهل يعقل أن لا وجود لقناة إعلام ولو افتراضية!؟ فلم تعد المعلومة رهينة حائط أو ورقة، فتكنولوجيا الإعلام، تخطت كل العوائق، فلم تعد هناك أسوار ولا أسرار.
واقع الجامعة اليوم تلخصه المقولة : إن الدولة تتظاهر بأنها تعطينا أجرا مقابل عمل نتظاهر بأننا نقدمه لطلبة يتظاهرون بأنهم يتلقون علما.

الأستاذ عمر الحاج - 18 ديسبمر 2011.

لا يمكن الرد على هذا الموضوع.