مدونة عمر الحاج

مدونة وموقع الأستاذ عمر الحاج

موقع عمر الحاج

موقع الأستاذ عمر الحاج هو موقع متخصص في مختلف الدروس والمواضيع التي تخص الطالب الجامعي.

ما حدث بمدينة مستغانم، قد يكون غريبا، لكنه مرشح للتكرار، ربما ليس بنفس المأساة التي ذهبت ضحيتها فتاة في سن العامين : أم مجرمة وربما تعودت على ذلك من قبل  ومشروع مجرم عمره فقط 9 سنوات.

على حسب ما تداولته الصحف، فإن الجميع كان يعرف ما يجري داخل المنزل والكل صامت، لا يفعل شيئا، معتقدا أنه بعيد عنه ولا يهمه.

لقد مر علينا عقدان من الزمن، عاش فيهما الجزائري تحت تأثير الخوف من الإرهاب أو التهديد بمجرد شبهة. لا زلنا نذكر، كيف أنه كلما وقع أحدهم ضحية قتل أو خطف أو اغتصاب، كانت التهمة جاهزة في صبحها. واستمر الحال حتى وصل الأمر تقريبا كل بيت.

لا أحد ينكر أن مجتمعنا وصل إلى حد أن عائلات بحالها أو شبه عائلات، تبيت في العراء ولا أحد تتحرك له مشاعر.

أتذكر مرة ذات شتاء قارس، وأنا أمشي في الصباح الباكر وسط المدينة، كيف كانت امرأة في عقدها الخامس تجر ولدا لم يتجاوز بعد سن العامين، يلبس أحلاسا بالية، وإحدى رجليه خارج الحذاء أو شبه حافية وهي تجره جرا ولم تكن لتأبه له أولبكائه وأنينه من الألم، حتى أنها لم ترد أن ترتب له الحذاء. والغريب أن الجميع ينظر إليها في غرابة وتوجس، ولا أحد طاوعته نفسه أن يتكفل بحذاء الصغير رأفة به. أعتقد جازما أنه لم يكن ولدها. لقد كان مجرد طعم لصيد صدقات المحسنين الغافلين. يخرج بضع دنانير ويرميها في حجر السائل ويعتقد أنه فعل الواجب.
أتساءل اليوم وقد مر على الحادثة ربما 5 سنوات، لا بد أنه في عمرالثامنة، ترى كيف يعيش 
!؟ وهل كان له حظه من المدرسة؟ كيف ينظر إلى المجتمع من حوله؟ ليته كان عبدا،فكان له على الأقل سيد يرعاه ! لا شك أنه تعود هو كذلك على صدقات المحسنين أو أنه جرب كل الموبقات، فأصبح قنبلة موقوتة تتربص بأولئك الآمنين.
أعود إلى ذلك الطفل الذي كان من المفروض أن يعيش طفولة براءة، فلا بد أنه رأى وجرب ما كان يراه أمام عينه من موبقات أو ربما أجبر قسرا على إتيان بعضها. لقد كانت تلك تربيته. هل كان جيرانه على علم بما يحدث له !؟ قد يقول أحدكم مستحيل ! وأقول نعم، لقد كان الجميع يدري ما يحدث. لقد اعترفوا بذلك بعدما حدثت الجريمة. ثم إنكم لتسمعون كل يوم وأنتم داخل بيوتكم (الآمنة) سيلا من الكلام الفاحش البذيء ينطلق من أفواه أطفال لم يتجاوزوا الخامسة من العمر ! لا شك أن الكثير منهم كان يمر على مسامعه وهو في بطن أمه. فهذا الصغير الذي ينطق بمثل هذه الكلمات الممنوعة، إن قبلت في المجتمع تحت شعار اللامبالاة، لا بد وأن يصل الولد إلى معرفة معناها وتجربتها في سن مبكرة. ثم إن هناك المخدرات بأنواعها التي أصبحت في متناول الجميع، والتي تتكفل بتعطيل العقل فتسهل الجريمة.
لعلكم سمعتم مؤخرا عن أمرين تداولتهما الصحف والفضائيات العالمية وهما :
- إنجاب أميرة بريطانية لمولود وكيف اهتز العالم البريطاني كله فرحة أو هذا ما حرصت وسائل إعلام الدولة العامة والخاصة على إظهاره للعالم. لقد حرصت على دور الأم والأب في التكفل بالمولود، منذ لحظة خروجه إلى الدنيا بالمصحة إلى غاية وصوله إلى منزل الأسرة.
- مشروع قانون بالبرلمان لحجب المواقع الفاسدة على الإنترنيت.
ربما الخبر الثاني، قد يكون واضح المقصد :  مجتمع يحرص على تماسك أسرته وحفاظا على الأخلاق النبيلة، ليعيش الإنسان مراحل حياته على الأقل إنسانا.
أما الخبر الأول فأراه أنبل وأعمق، لأن الدولة بهياكلها، لما رأت عزوف الشباب عن تكوين الأسرة، أرادت أن تعطيه قدوة ومثلا أعلى. فالأسرة المالكة لها تأثير كبير هناك يضاهي أو يتجاوز الوازع الديني عندهم. ناهيك عن أنه تاريخهم المقدس منذ قرون.
لقد آن الأوان ونحن مجتمع “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” أن يتحمل كل فرد صالح بالمجتمع مسؤوليته ليس فقط اتجاه أسرته إنما اتجاه جيرانه ومحيطه على الأقل : فابن جارك لا بد وأن يكون صاحب ابنك وما يتلقاه عن أسرته يتلقاه ابنك عنه. أليس من الواجب الحرص على تربية ابن الجيران وكأنه ابنك !؟ قيّم غابت من زمن فتحول المجتمع إلى عفن.

الجانب الآخر، من مسؤولية الدولة عن طريق لجان الأحياء. لقد آن الأوان لإعطائهم صلاحية نقل المعلومات عن الأسر غير السوية والتكفل بها مع مصالح الدولة من بلدبة ودائرة ومدرسة وحتى أمن وقضاء، وعن أشباه الأسر التي بدأت تنتشر خاصة بالعمارات : أبناء بلا مربي، أسر مجهولة الهوية (أم وأبناء)، أوكار الرذيلة، مساكن للكراء بالساعة والساعتين… شقق خاوية يتردد عليها أشباه أسر، والقائمة طويلة…
قد يقول قائل : إن الدولة بأطرها تعرف كل هذا… وأنا أقول نعم، لكنها تحتاج إلى سكان الأحياء لأن كل حالة وجب تقديمها للقضاء وليس من المعقول أن يؤخذ أحدهم بذنب الشك، إذا ما غاب الدليل والشاهد.
شهدت أمرا مماثلا بعمارة، كانت إحدى شققها فارغة ومن لامبالاة صاحبها أن ترك ابنه الأعزب ذو العشرين سنة يحرسها ويبيت هناك لوحده وكان دون عمل ولم يكن شخصا مثقفا بل كان جل أصدقائه ممن تغص بهم زوايا الشوارع المظلمة. فما كان منه إلا أن أصبح يؤجرها لساعة وساعتين. وفي غفلة أو تواطؤ من سكان العمارة، أصبحت الشقة وكرا للرذيلة. وصل الأمر لمن بقي له ضمير بالحي وحدث أن قبض على فتاة ربما لم تتجاوز السابعة عشر من عمرها، استدرجها أحد الشباب الضائعين إلى هناك. وحين وصلت الشرطة، قبع الجميع ممن كانوا يسكنون العمارة ببيته ولم يخرج حتى غادرت الشرطة المكان. يعني شهودا لم يروا شيئا، فكيف بربكم يحاكم هؤلاء إن غاب أهل العمارة عن الشهادة أمام القضاء 
!؟ أليس كلهم كانوا معرضين لأن يحدث لهم ما كان حدث لتلك للفتاة الصغيرة البريئة!؟
وفي حادثة بنفس المكان، قُطّعت امرأة إلى أجزاء من طرف زميلاتها في جنح الليل وسكان العمارة لم يسمع أحدهم عن الجريمة أو قل كان الأمر لامبالاة… فمن غير المعقول أن لا أحد يسمع صوتا مشبوها في ظلام الليل الهادئ. بعدها أصبح كل منهم مشبوها واقتيد كل من بالعمارة إلى مخافر الشرطة للتحقيق.
إن الجريمة كائن بغيض يتغذى على مادة أساسية انتشرت مؤخرا بالمجتمع اسمها “اللامبالاة”. قد يقول البعض إن الدولة هي التي فرضت هذا المنطق وأقول : إن الدولة بأجهزتها لم تنهك يوما أن تربي ولدك بما تراه الأصلح ولا أن تأخذ بيد ابن الجيران إلى طريق الصواب بالتي هي أحسن فتعامله معاملة الأب لولده وليس الانتقام.
كان بجانب العمارة التي أقطن مكانا منعزلا وكل ليلة أسمع صخبا وكلام غير عادي يصدر من هناك… كنت كل مرة أخرج في جنح الليل، أحيانا تمام الواحدة صباحا والوقت ربيعا أو شتاء فأجد شبابا لم يتجاوز معظمهم الثامنة عشر وهم على غير وعي من أثر السكر والتخدير. لم أرى وهم في حالتهم التي تدعو للشفقة أن أكون معهم قاسيا ولم أكن لأحمل معي شيئا يسمح لي بالدفاع عن النفس. بل كنت فقط أطلب منهم مغادرة المكان ووعظهم بما حضرني من كلمات. ومن الطبيعي جدا أن يتفاعل معك هؤلاء بكل احترام رغم حالتهم وهم عن عقولهم شبه غياب. لكن من خلال حديثي معهم تبين لي أن معظمهم كانوا ضحايا : ضحايا أب اغتاله الإجرام أو قسي عليه المجتمع : الفقر، البيت غير المتماسك والمدرسة التي أصبحت ملجأ لتمضية الطفولة،… لكن الغريب أن الكثير من سكان الحي كانوا على علم بذلك ولا أحد كانت تطاوعه نفسه أن يخرج ليحدثهم وينهاهم، خاصة من كان حائط منزله متكأ لهؤلاء ! للأسف كان إماما بالجامع القريب بوسط المدينة. لا ألومه، فهو من المجتمع الجديد !

إننا نتنصل شيئا فشيئا من مسؤولية تفرض نفسها علينا كي يبقى المجتمع متماسكا، لنصبح بعد مدة من الزمن غير بعيدة قطعانا من البشر، نساق كما الدواب بين مرعاها ومأواها ولم يعد للإنسانية سوى تلك المظاهر التي دأبنا على ممارستها فأصبحت طقوسا فارغة لا هدف من وراءها سوى تخدير الروح الإنسانية التي أصبحت بلا عمل ولم يعد ذلك الجسد الذي تسكنه سوى كتلة من تراب ينقص أو يزيد.

لا يمكن الرد على هذا الموضوع.