مدونة عمر الحاج

مدونة وموقع الأستاذ عمر الحاج

موقع عمر الحاج

موقع الأستاذ عمر الحاج هو موقع متخصص في مختلف الدروس والمواضيع التي تخص الطالب الجامعي.

كنت بجنب الوالد البالغ من العمر 84 عاما، أطال الله في عمره وبارك فيه، داخل قاعة انتظار وقد جلس إلى جانبه شيخ آخر يقارب سنه. وفي لحظة رأيتهما يتجاذبان أطراف الحديث بالتعارف ولم يكن أحدهما ليعرف الاخر مسبقا… فقلت في نفسي هذه أجمل صفة ذهبت مع جيلهم. فاليوم لا أحد يعرف جاره ولا يسأل عنه أبات جائعا أم فارق الحياة!؟ وفعلا قد فارق أحدهم الحياة بشُقّة بالعمارة ولم يتفطن أحدهم للأمر إلا بعد أسبوع وقد انتشرت رائحة العفن. حدث هذا منذ سنة تقريبا بالحي الذي أسكن.
المهم، أكمل القصة… تعالت نبرة الحديث بالسؤال عن أصدقاء الطفولة وكم كانت دهشتي كيف كانا يتذكران أدنى التفاصيل والأسماء والأحداث والمواقف وكأنهما كانا يريان ذلك من خلال نافذة لا يراها إلا هما الإثنين… أنا لا أتذكر الكثير من أصدقاء الطفولة فكيف بي حين أصبح شيخا هرما إن كان في العمر لبلوغ ذلك بقية!؟ لقد عرفت أن صخب الحياة قد حطم جدران الذاكرة ليبني الأوهام ونحن نلهث وراء السراب.
ما زالت القصة لم تنته… صبركم! بدأ صديقنا يسأل عن أسماء عرفهم في شبابه وكان الوالد يرد كل مرة “مات… رحمه الله”… حتى لكأنهما ذكرا ما يقارب 20 إسما من أترابهم أو أكثر… والغريب أنه حين قال صاحبنا “لقد سمعت أن فلانا توفى … هل هذا صحيح!؟ ” فقال الوالد “لا … إلا ذاك… مازال على قيد الحياة”… وقد علا صوت الحديث وكأنهم في سمر… حتى سكت كل من حولهم وأخذ يستمع ويستمتع … إلا شيخا في سنهم، كان يبدو عليه التذمر والخوف من كلمات “رحمه الله” … “لقد مات”… “مر على رحيله أشهر”… ولم يتمالك نفسه إلا وقد التفت عن يساره وقال لمن كان جنبه… ألا يسأم هؤلاء من ذكر “الموت”… “من الصباح وهم … مات… مات ….!؟” … “ما هذا…!؟” … “ألا يغيرون الحديث!؟”… ضحكت في صمت وفي نفس الوقت تذكرت “كم هي الحياة عزيزة أحيانا…!”… “لعلهم أطمع في العيش منا جميعا…!؟ “…
واستمر الحديث… إلى أن سئم صاحبنا الثاني وضاق ذرعا وكان لا يعرفهم… فانفجر في وجوهم… “ألا تغيرون الحديث… من الصباح وأنتم….” … فرد عليه الوالد بنبرة حادة كما أعهده دائما، فهو صارم في كل شيء، قائلا “وما دخلك أنت!؟… نحن نتكلم مع بعضنا… ما الذي يحشرك في هذا…!؟” … خفت أن يتطور الحديث إلى جدال فخصام بين شيوخ… فتدخلت في سرعة وبابتسامة عريضة قائلا للوالد “إنكم لم تنتبهوا إلى أنكم من ساعة وأنتم تتكلمون عن الموت … تكلموا قليلا عن الحياة… فهي الأولى… أليس ذلك من حقه وحقكم!؟” … هدأ بعدها الجميع وفهم كل منهم الرسالة، لأني أردتها أن تكون ذات وجهين لكل منهما نصيب منها مفيد.
وأنا أسرد القصة تذكرت قصة أخرى لشيوخ كانوا من سنوات يجلسون كل مساء في مكان يتجاذبون أطراف الحديث… وبعد فترة من الزمن لم يبق منهم إلا قليل… ويوما ما قال أحدهم مذكرا “يا جماعة … إن العدد يقل، ففلان وفلان … وفلان كانوا معنا … واليوم هم في رحمة الله…”… ومن يومها لم يعد أحد إلى المكان… وكأنهم تطيروا منه.
… إن الشيوخ لهم أشد تمسكا بالحياة وإن كانوا أشد ذكرا لها واقتناعا بها وتحضرا لقدومها… فاستوصوا بهم خيرا… وتكلموا أمامهم عن الحياة… لأن ذكر الموت قد تجاوزه هؤلاء… وخير الناس من طال عمره وحسن عمله.

لا يمكن الرد على هذا الموضوع.