مدونة عمر الحاج

مدونة وموقع الأستاذ عمر الحاج

موقع عمر الحاج

موقع الأستاذ عمر الحاج هو موقع متخصص في مختلف الدروس والمواضيع التي تخص الطالب الجامعي.

علمتني المدينة
أن أستحي من ثيابي،
وأن أعلق ألف مفتاح خلف بابي،
أن أهجر كل أحبابي ...
وألهث ضنكا خلف السراب.
علمتني أن جاري،
ذاك الذي يبيعني خبزا
قد يبتاعني بثيابي،
حين تشتد في الرزق،
كل أسبابي.
¤¤¤¤¤O¤¤¤¤¤O¤¤¤¤¤

علمتني أن إلقاء السلام… حكر، 
لأنسابي ، صحابي أو من أُحابي.
علمتني أن أرى المنكر خلف بيتي
وأكتفي كمدا بخنق قطي والسباب.
علمتني أن الجار لا ينفع في غيابي.
أن بيتي سجن
ومكتبي ...جزء من ركابي.
علمتني أن أستحي من دعوة جاري،
لطعامي والشراب،
خوفا من كلام الضيف عني
أو يضمر شرا في غيابي.
¤¤¤¤¤O¤¤¤¤¤O¤¤¤¤¤

علمتني أن الصلاة لله فرض،
وقيامها مؤجل لمتابي. 
علمتني أن الصوم في اليوم
بطن فارغ… وبالليل فرط،
في المآكل والشراب.
علمتني أن الفقير يد ممدودة، 
وعين على الأبواب.
علمتني أن غض العين فرض،
حصرا لمن هن بأشباه ثياب.
¤¤¤¤¤O¤¤¤¤¤O¤¤¤¤¤

علمتني المدينة
أن ألبس الثوب من قماش
رفيع … من أفخم الأثواب، 
وفي بالي فكرة ليس إلا، 
شراء موضة الحال وانتسابي،
يوم يشدو القطيع لحنا لامعا 
في حضيرة الأتراب.
¤¤¤¤¤O¤¤¤¤¤O¤¤¤¤¤

علمتني المدينة 
أن الصفح ... مكر واجب، 
يشمل ذاك المحابي ،
أو ذاك المغفل من صَحابي.
علمتني المدينة
أن أشتري بالمكر حبا، 
لأشرب سمه في غيابي.
فأنا المحب ما دمت كأسا
سائغا لبه للشراب.
وأنا العدو يُغتال غَدرا،
إذا ما صار مجدي… في احتجاب.
وأنا العزيز إذا ما هان عزي،
أو بعته بخسا…للذئاب.
أو هكذا… صار فخري
سرابا في اليباب.
¤¤¤¤¤O¤¤¤¤¤O¤¤¤¤¤

علمتني المدينة 
أن أصمت حيث أدري،
أن في صوتي عقابي؛
صادقا في القول كنت،
أو كاذبا بالصدق أو بي
نزعة للصدق تبدو،
من عيوني أو عتابي.
علمتني المدينة
أن أبحث في كل شيء،
بكل شيء، خلف بابي.
¤¤¤¤¤O¤¤¤¤¤O¤¤¤¤¤

علمتني أن أكتفي بالسؤال،
عن سوء حالي 
وما همني لشبابي.
علمتني أن أحسب
الوقت مالا، والمال وقتا 
يقطع من حسابي.
¤¤¤¤¤O¤¤¤¤¤O¤¤¤¤¤

علمتني المدينة
أن أجاري وأداري وأماري
في سلطتي واكتسابي.
علمتني المدينة
أن العمر يمضي سريعا صائعا،
لا يبالي إن أنا 
أضعت حظي أو صوابي،
أو جنيت في الظل ذنبا
يحرق كل الثواب.
قد مللت العيش فيها 
عيش جِدِّ أو دُعابي..

¤¤¤¤¤O¤¤¤¤¤O¤¤¤¤¤

عمر في 10 أفريل 2015.

منذ أن حرم آدم من طعام الجنة وأنزل الأرض والخير والشر مثل الليل والنهار يتصارعان على بسط النفوذ. فأينما غاب النور حل الظلام.
يسألني صديقي، مالذي تغير حتى يسطو كل هذا الشر على العالم؟ أتراه كتب علينا أن نعيش تحت ظلمته التي لا زالت تسْودّ ويحلك ليلها!؟ فقلت له : في الحقيقة، لا تلم الظلام لأنه ما أراد أن يترك الساحة التي غادر النور فارغة، بل اسأل عن أسباب غياب النور وضعف مصابيحه. إذ تنطفأ الواحد تلو الآخر في سرعة رهيبة، بعضها يموت في صمت والآخر يحترق فيحرق معه من كان ينير لهم الطريق.
أترى ذلك الإنسان الطالح الذي ما يكاد الآخرون يتوقف لسانهم عن الدعاء عليه!؟ أنه في الحقيقة يستولي على مكان هم من غادره لفترة كانت كافية لأن يعتبره ملكا له، بعدما لمس بعض الرضا في التخلي عنه وشيئا فشيئا بدأ يحط رحاله ويشغل المكان، إلى أن أصبح ملكه، وعليه أن يدافع عنه الآن.
إننا نرى الولد يسرق قلم صديقه ويأتي به إلى البيت ولا نسأله عن مصدره ولعلنا ندري ونقول … لا ضرر فهذا لعب أطفال وعليه أن يتعلم بعضا من التصرف حال المواقف الصعبة. يعتقد الصغير أن ذلك من حقوقه، فيتقدم رويدا رويدا إلى ساحتك الخاصة، يأخذ نقودك من جيبك وأنت تضحك، يسرق بيت جارك ويكتشف أمره، فتأتي بالجاه وشهود الزور لتخلصه حتى من مجرد توبيخ. يوما ما ستجد نفسك تصرف أموالك على زلاته وكوارثه. لقد حصلت على ولد عاق بامتياز لا سلطة لك عليه ولاحرمة لك منه.
إننا نسمع من إبن الجيران كلاما بذيئا ونصم آذاننا بدل نهره فيعتقد أنه لا سلطة لنا عليه فيستمر ويزيد من غلظ القول غير مبال بك وأنت تمر بجانبه حتى لكأنه يعتقد أنك مجرد دابة ليس عليه في الكلام لها احترام. وحين تمر مع ابنتك وقد صارت شابة يافعة، لن يخجل أبدا من أن يعاكسها أمام عينيك وقد تجد نفسك يوما ما في الاستعجالات تنزف من ضربة سيف أو كسر عظمة، لأنك فقط أردت نهره عن الابتعاد عن عيالك، هذا إن لم تكن في الحدث جنازتك. إنه في الحقيقة، لم يفعل شيئا، سوى أنه كان يدافع عن ساحته التي منحتها إياه عن طيب خاطر من مواقف سلبية سبقت.
يدخل الموظف مكتبك ويضع رجله اليمنى على اليسرى، ثم يشعل سيجارته. تغض الطرف أنت وتكتم أنفاسك بدل أن تخمد سيجارته في موقف غضب. لن يتوقف بعد ذلك إلا وهو يضع يوما ما رجله على مكتبك، يدخله في غيابك، يأخذ من حاجياتك، يستخدم ختمك دون إذنك، يرمي في وجهك الأوراق لأنك سألته عن سبب التأخر، يرفض عملا هو من واجباته… ويستمر في احتلال ساحاتك التي انسحبت منها الواحدة تلو الأخرى… إلى أن تجد نفسك خارج المنصب، هذا إن لم تجد نفسك بين جلسات المحاكم وعلى أبواب السجون. إنك في الحقيقة إنما اضطررت إلى الخروج من أضيق باب حين استولى هو برضاك عن كل غرفك وساحتك التي ما كان عليك مقاسمتها إياه.
إن المنكر الذي نراه اليوم ما هو في حقيقة الأمر سوى خليفة معروف تخلى عن دوره. وصاحبه كما أوصاه قرينه لم يفعل شيئا سوى أنه تجرأ فتخاذلت وأمرك فاستجبت وحل مكانك فرضيت، فلا تلومن إلا نفسك. وكذلك يقول كبيرهم لأتباعه يوما الرجوع إلى ربهم ” وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ‌ إِنَّ اللَّـهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم ۖ مَّا أَنَا بِمُصْرِ‌خِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِ‌خِيَّ ۖ إِنِّي كَفَرْ‌تُ بِمَا أَشْرَ‌كْتُمُونِ مِن قَبْلُ ۗ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٢٢﴾ ” - إبراهيم.

كنت بجنب الوالد البالغ من العمر 84 عاما، أطال الله في عمره وبارك فيه، داخل قاعة انتظار وقد جلس إلى جانبه شيخ آخر يقارب سنه. وفي لحظة رأيتهما يتجاذبان أطراف الحديث بالتعارف ولم يكن أحدهما ليعرف الاخر مسبقا… فقلت في نفسي هذه أجمل صفة ذهبت مع جيلهم. فاليوم لا أحد يعرف جاره ولا يسأل عنه أبات جائعا أم فارق الحياة!؟ وفعلا قد فارق أحدهم الحياة بشُقّة بالعمارة ولم يتفطن أحدهم للأمر إلا بعد أسبوع وقد انتشرت رائحة العفن. حدث هذا منذ سنة تقريبا بالحي الذي أسكن.
المهم، أكمل القصة… تعالت نبرة الحديث بالسؤال عن أصدقاء الطفولة وكم كانت دهشتي كيف كانا يتذكران أدنى التفاصيل والأسماء والأحداث والمواقف وكأنهما كانا يريان ذلك من خلال نافذة لا يراها إلا هما الإثنين… أنا لا أتذكر الكثير من أصدقاء الطفولة فكيف بي حين أصبح شيخا هرما إن كان في العمر لبلوغ ذلك بقية!؟ لقد عرفت أن صخب الحياة قد حطم جدران الذاكرة ليبني الأوهام ونحن نلهث وراء السراب.
ما زالت القصة لم تنته… صبركم! بدأ صديقنا يسأل عن أسماء عرفهم في شبابه وكان الوالد يرد كل مرة “مات… رحمه الله”… حتى لكأنهما ذكرا ما يقارب 20 إسما من أترابهم أو أكثر… والغريب أنه حين قال صاحبنا “لقد سمعت أن فلانا توفى … هل هذا صحيح!؟ ” فقال الوالد “لا … إلا ذاك… مازال على قيد الحياة”… وقد علا صوت الحديث وكأنهم في سمر… حتى سكت كل من حولهم وأخذ يستمع ويستمتع … إلا شيخا في سنهم، كان يبدو عليه التذمر والخوف من كلمات “رحمه الله” … “لقد مات”… “مر على رحيله أشهر”… ولم يتمالك نفسه إلا وقد التفت عن يساره وقال لمن كان جنبه… ألا يسأم هؤلاء من ذكر “الموت”… “من الصباح وهم … مات… مات ….!؟” … “ما هذا…!؟” … “ألا يغيرون الحديث!؟”… ضحكت في صمت وفي نفس الوقت تذكرت “كم هي الحياة عزيزة أحيانا…!”… “لعلهم أطمع في العيش منا جميعا…!؟ “…
واستمر الحديث… إلى أن سئم صاحبنا الثاني وضاق ذرعا وكان لا يعرفهم… فانفجر في وجوهم… “ألا تغيرون الحديث… من الصباح وأنتم….” … فرد عليه الوالد بنبرة حادة كما أعهده دائما، فهو صارم في كل شيء، قائلا “وما دخلك أنت!؟… نحن نتكلم مع بعضنا… ما الذي يحشرك في هذا…!؟” … خفت أن يتطور الحديث إلى جدال فخصام بين شيوخ… فتدخلت في سرعة وبابتسامة عريضة قائلا للوالد “إنكم لم تنتبهوا إلى أنكم من ساعة وأنتم تتكلمون عن الموت … تكلموا قليلا عن الحياة… فهي الأولى… أليس ذلك من حقه وحقكم!؟” … هدأ بعدها الجميع وفهم كل منهم الرسالة، لأني أردتها أن تكون ذات وجهين لكل منهما نصيب منها مفيد.
وأنا أسرد القصة تذكرت قصة أخرى لشيوخ كانوا من سنوات يجلسون كل مساء في مكان يتجاذبون أطراف الحديث… وبعد فترة من الزمن لم يبق منهم إلا قليل… ويوما ما قال أحدهم مذكرا “يا جماعة … إن العدد يقل، ففلان وفلان … وفلان كانوا معنا … واليوم هم في رحمة الله…”… ومن يومها لم يعد أحد إلى المكان… وكأنهم تطيروا منه.
… إن الشيوخ لهم أشد تمسكا بالحياة وإن كانوا أشد ذكرا لها واقتناعا بها وتحضرا لقدومها… فاستوصوا بهم خيرا… وتكلموا أمامهم عن الحياة… لأن ذكر الموت قد تجاوزه هؤلاء… وخير الناس من طال عمره وحسن عمله.