مدونة عمر الحاج

مدونة وموقع الأستاذ عمر الحاج

موقع عمر الحاج

موقع الأستاذ عمر الحاج هو موقع متخصص في مختلف الدروس والمواضيع التي تخص الطالب الجامعي.

عادة ما ينجذب الرجل إلى المرأة من باب صفات يراها الأنسب والأمثل حسب ما يحب قلبه وما يمليه عقله. فقد كانت تلك هي أمنياته المطلقة غير القابلة للتحول والتعويض. بينما يتجاهل أحيانا كثيرة بعض الإشارات الخافتة التي يراها عابرة أو ربما غامضة أو تافهة. فتكون هي النواة التي تشكل كرة الثلج الكبيرة فيما ما بعد لو أصبحت أكثر وضوحا أو أكثر تأثيرا.

حين بداية العشرة، يبدأ الجميع في انتظار تحقق الأمنيات فتحدث المفاجأة بظهور اختلافات جوهرية وحينها تبدأ تلك الإشارات الضئيلة السابقة التي تجاهلها الطرفان في الوضوح والتطابق مع فرضيات تفسير قد تكون منطقية لكنها ربما مزيفة أو كانت مجرد مصادفة. حينها تخضع الأمور للتجربة فتزيد الصدفة من حصولها الكثير ليحدث بعدها التأكيد ثم المراقبة للحصول على الإثبات. بعدها يبدأ الطرف الآخر في إعطاء إشارات تنبيهية لتصحيح الوضع أو ربما تداركه. هنا مرة أخرى يتم تجاهل تلك الإشارات لغموضها أو تفاهتها، بينما هي تشكل نواة كرة الثلج الثانية والتي تعرقل الرجوع إلى الخلف فيما لو وصلت إلى حجم الخطر.

بعدها إما يحدث التعايش إن صبر الطرفان أو التصحيح إن صبر طرف وأعاد الطرف الآخر التفكير من جديد أو “العيش النكد” إن أصر الطرفان على وجهتهما في تجاهل الإشارات الخافتة الاتية من الطرف الآخر وتضخيم الإشارات الصادرة منه في وقت مضى نحو الطرف الآخر وقد تم تجاهلها لنفس الأسباب ثم مقارنتها بالإشارات الخافتة الأولى قبل الارتباط.

كل المشاكل تأتي مسبقا (فترة التعارف) من تجاهل إشارات خافتة يحس بها أحد الطرفين أو كلاهما بينه وبين نفسه ثم لاحقا (خلال العشرة) تجاهل إشارات خافتة متبادلة من طرف نحو الآخر وقد تكون بشكل متبادل. الأولى تشكل أزمة اللاوعي والثانية أزمة الواقع. تخضع الأمور بعدها للتجربة وحين يحدث تطابق إشارات اللاوعي مع التجربة تتشكل كرة الثلج الأولى. عندما يحدث تجاهل إشارات الواقع أو إشارات تصحيح المسار المتبادلة تتشكل كرة الثلج الثانية.
تصبح بعدها الحياة بين الطرفين عبارة عن أزمات ناتجة عن تصادم كرتي الثلج الأولى والثانية. يحاول أحد الطرفين إذابة الثلج العالق للتخفيف من وزن كرة الثلج الثانية مع تجاهل الأولى فيحدث ما يسمى التعايش. بينما لو أمكن التفكير في كيفية إذابة كرة الثلج الأولى لكان الأمر رغم صعوبته أنجع لحل وتلاشي الأزمات. هنا نعم يأتي الطموح والإرادة والثقة بالنفس والتي لا تتأتى إلا للمثابر والمحب للتعرف على أصل الأزمة ومحاولة فهم الآخر في الصميم. لن يكون ذلك ممكنا أبدا إلا إذا تمت التضحية من الطرف الأقل طموحا وهو الأكثر واقعية بطبيعة الحال.

لو تعمقنا في هذا التحليل لعرفنا سبب حدوث الأزمات المشهورة مثل أزمة ما يسمى “منتصف العمر” وأزمة “الكآبة” وأزمة “الانفصال” وأزمة “الخيانة” وغيرها…

أتمنى من الشباب والذين هم قيد بناء أسرة والذين يشرفونا بقراءة المنشور بصبر أن يفهموا معاني هذه الكلمات ليتمكنوا من بناء أسرة سعيدة مبنية على الفهم المتبادل والتضحية المتبادلة والصبر المتبادل، لكن ليس في نفس الأمور، فهذا لن يحدث أبدا وإن حدث فهو من قبيل الحظ والصدفة.
… سندرج لاحقا بالموضوع قصصا من الواقع لتحقيق فهم أعمق.

إن تلك المشاعر المكبوتة بداخل البشري إن لم تجد لها إلى الخروج طريقا سالما فستتحول إلى جحيم يصنع كل أمراض القلوب والجسد معا أو ينفجر ليحرق كل رائع وجميل بالمحيط.

ألا ترى إلى تلك الأرض الرائعة التي تتحملنا وتحملنا بروائعها التي أودعها الله سبحانه وتعالى على سطحها وبباطنها من أجلنا، كيف تفتح لأعماقها المخيفة مسامات على سطحها ولولا ذلك لانفجرت لتزيل كل أوجه الحياة!؟

ألا ترى إلى أولئك العظماء الذين غيروا تاريخ البشر عبر التاريخ!؟ لو تأملت سيرهم الخاصة لوجدتها ربما مجموعة من الخيبات الأسرية الكثيرة (المحيط الأصغر)، سرعان ما عوضت بنجاحات في المجتمع (المحيط الأكبر). ولو أن عملهم توقف لمتابعة الأحلام الصغيرة التي تهرب أحيانا وتتلاشى أحيانا أخرى، لكان مصيرهم يشبه كثيرا الظمآن اللاهث وراء السراب بصحراء قاحلة.

إنك عندما تتعايش مع الخيبات الصغيرة، منشغلا بتحقيق نجاحات أخرى قد تكون صغيرة أيضا، إنما أنت تحيلها إلى لآلئ غالية الثمن ونادرة فالأمر يشبه تماما ما تقوم به تلك الكائنات البحرية التي تغلف الكائن الدخيل لتحيله إلى لؤلؤ أصيل.

سترى بنفسك كيف تصغر وتتقلص تلك الخيبة ثم تتجمد لتصبح مهملة التأثير، باهتة الأثر. ولو أنك التهيت بها لفترة فربما تصبح أشبه تماما بتلك الندبة الصغيرة أو الخانة على الجسد والتي إن أثرتها لوقت طويل فقد تتحول إلى سرطان يشوه كل المحيط وينتهي بالألم المميت.

ما حدث بمدينة مستغانم، قد يكون غريبا، لكنه مرشح للتكرار، ربما ليس بنفس المأساة التي ذهبت ضحيتها فتاة في سن العامين : أم مجرمة وربما تعودت على ذلك من قبل  ومشروع مجرم عمره فقط 9 سنوات.

على حسب ما تداولته الصحف، فإن الجميع كان يعرف ما يجري داخل المنزل والكل صامت، لا يفعل شيئا، معتقدا أنه بعيد عنه ولا يهمه.

لقد مر علينا عقدان من الزمن، عاش فيهما الجزائري تحت تأثير الخوف من الإرهاب أو التهديد بمجرد شبهة. لا زلنا نذكر، كيف أنه كلما وقع أحدهم ضحية قتل أو خطف أو اغتصاب، كانت التهمة جاهزة في صبحها. واستمر الحال حتى وصل الأمر تقريبا كل بيت.

لا أحد ينكر أن مجتمعنا وصل إلى حد أن عائلات بحالها أو شبه عائلات، تبيت في العراء ولا أحد تتحرك له مشاعر.

أتذكر مرة ذات شتاء قارس، وأنا أمشي في الصباح الباكر وسط المدينة، كيف كانت امرأة في عقدها الخامس تجر ولدا لم يتجاوز بعد سن العامين، يلبس أحلاسا بالية، وإحدى رجليه خارج الحذاء أو شبه حافية وهي تجره جرا ولم تكن لتأبه له أولبكائه وأنينه من الألم، حتى أنها لم ترد أن ترتب له الحذاء. والغريب أن الجميع ينظر إليها في غرابة وتوجس، ولا أحد طاوعته نفسه أن يتكفل بحذاء الصغير رأفة به. أعتقد جازما أنه لم يكن ولدها. لقد كان مجرد طعم لصيد صدقات المحسنين الغافلين. يخرج بضع دنانير ويرميها في حجر السائل ويعتقد أنه فعل الواجب.
أتساءل اليوم وقد مر على الحادثة ربما 5 سنوات، لا بد أنه في عمرالثامنة، ترى كيف يعيش 
!؟ وهل كان له حظه من المدرسة؟ كيف ينظر إلى المجتمع من حوله؟ ليته كان عبدا،فكان له على الأقل سيد يرعاه ! لا شك أنه تعود هو كذلك على صدقات المحسنين أو أنه جرب كل الموبقات، فأصبح قنبلة موقوتة تتربص بأولئك الآمنين.
أعود إلى ذلك الطفل الذي كان من المفروض أن يعيش طفولة براءة، فلا بد أنه رأى وجرب ما كان يراه أمام عينه من موبقات أو ربما أجبر قسرا على إتيان بعضها. لقد كانت تلك تربيته. هل كان جيرانه على علم بما يحدث له !؟ قد يقول أحدكم مستحيل ! وأقول نعم، لقد كان الجميع يدري ما يحدث. لقد اعترفوا بذلك بعدما حدثت الجريمة. ثم إنكم لتسمعون كل يوم وأنتم داخل بيوتكم (الآمنة) سيلا من الكلام الفاحش البذيء ينطلق من أفواه أطفال لم يتجاوزوا الخامسة من العمر ! لا شك أن الكثير منهم كان يمر على مسامعه وهو في بطن أمه. فهذا الصغير الذي ينطق بمثل هذه الكلمات الممنوعة، إن قبلت في المجتمع تحت شعار اللامبالاة، لا بد وأن يصل الولد إلى معرفة معناها وتجربتها في سن مبكرة. ثم إن هناك المخدرات بأنواعها التي أصبحت في متناول الجميع، والتي تتكفل بتعطيل العقل فتسهل الجريمة.
لعلكم سمعتم مؤخرا عن أمرين تداولتهما الصحف والفضائيات العالمية وهما :
- إنجاب أميرة بريطانية لمولود وكيف اهتز العالم البريطاني كله فرحة أو هذا ما حرصت وسائل إعلام الدولة العامة والخاصة على إظهاره للعالم. لقد حرصت على دور الأم والأب في التكفل بالمولود، منذ لحظة خروجه إلى الدنيا بالمصحة إلى غاية وصوله إلى منزل الأسرة.
- مشروع قانون بالبرلمان لحجب المواقع الفاسدة على الإنترنيت.
ربما الخبر الثاني، قد يكون واضح المقصد :  مجتمع يحرص على تماسك أسرته وحفاظا على الأخلاق النبيلة، ليعيش الإنسان مراحل حياته على الأقل إنسانا.
أما الخبر الأول فأراه أنبل وأعمق، لأن الدولة بهياكلها، لما رأت عزوف الشباب عن تكوين الأسرة، أرادت أن تعطيه قدوة ومثلا أعلى. فالأسرة المالكة لها تأثير كبير هناك يضاهي أو يتجاوز الوازع الديني عندهم. ناهيك عن أنه تاريخهم المقدس منذ قرون.
لقد آن الأوان ونحن مجتمع “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” أن يتحمل كل فرد صالح بالمجتمع مسؤوليته ليس فقط اتجاه أسرته إنما اتجاه جيرانه ومحيطه على الأقل : فابن جارك لا بد وأن يكون صاحب ابنك وما يتلقاه عن أسرته يتلقاه ابنك عنه. أليس من الواجب الحرص على تربية ابن الجيران وكأنه ابنك !؟ قيّم غابت من زمن فتحول المجتمع إلى عفن.

الجانب الآخر، من مسؤولية الدولة عن طريق لجان الأحياء. لقد آن الأوان لإعطائهم صلاحية نقل المعلومات عن الأسر غير السوية والتكفل بها مع مصالح الدولة من بلدبة ودائرة ومدرسة وحتى أمن وقضاء، وعن أشباه الأسر التي بدأت تنتشر خاصة بالعمارات : أبناء بلا مربي، أسر مجهولة الهوية (أم وأبناء)، أوكار الرذيلة، مساكن للكراء بالساعة والساعتين… شقق خاوية يتردد عليها أشباه أسر، والقائمة طويلة…
قد يقول قائل : إن الدولة بأطرها تعرف كل هذا… وأنا أقول نعم، لكنها تحتاج إلى سكان الأحياء لأن كل حالة وجب تقديمها للقضاء وليس من المعقول أن يؤخذ أحدهم بذنب الشك، إذا ما غاب الدليل والشاهد.
شهدت أمرا مماثلا بعمارة، كانت إحدى شققها فارغة ومن لامبالاة صاحبها أن ترك ابنه الأعزب ذو العشرين سنة يحرسها ويبيت هناك لوحده وكان دون عمل ولم يكن شخصا مثقفا بل كان جل أصدقائه ممن تغص بهم زوايا الشوارع المظلمة. فما كان منه إلا أن أصبح يؤجرها لساعة وساعتين. وفي غفلة أو تواطؤ من سكان العمارة، أصبحت الشقة وكرا للرذيلة. وصل الأمر لمن بقي له ضمير بالحي وحدث أن قبض على فتاة ربما لم تتجاوز السابعة عشر من عمرها، استدرجها أحد الشباب الضائعين إلى هناك. وحين وصلت الشرطة، قبع الجميع ممن كانوا يسكنون العمارة ببيته ولم يخرج حتى غادرت الشرطة المكان. يعني شهودا لم يروا شيئا، فكيف بربكم يحاكم هؤلاء إن غاب أهل العمارة عن الشهادة أمام القضاء 
!؟ أليس كلهم كانوا معرضين لأن يحدث لهم ما كان حدث لتلك للفتاة الصغيرة البريئة!؟
وفي حادثة بنفس المكان، قُطّعت امرأة إلى أجزاء من طرف زميلاتها في جنح الليل وسكان العمارة لم يسمع أحدهم عن الجريمة أو قل كان الأمر لامبالاة… فمن غير المعقول أن لا أحد يسمع صوتا مشبوها في ظلام الليل الهادئ. بعدها أصبح كل منهم مشبوها واقتيد كل من بالعمارة إلى مخافر الشرطة للتحقيق.
إن الجريمة كائن بغيض يتغذى على مادة أساسية انتشرت مؤخرا بالمجتمع اسمها “اللامبالاة”. قد يقول البعض إن الدولة هي التي فرضت هذا المنطق وأقول : إن الدولة بأجهزتها لم تنهك يوما أن تربي ولدك بما تراه الأصلح ولا أن تأخذ بيد ابن الجيران إلى طريق الصواب بالتي هي أحسن فتعامله معاملة الأب لولده وليس الانتقام.
كان بجانب العمارة التي أقطن مكانا منعزلا وكل ليلة أسمع صخبا وكلام غير عادي يصدر من هناك… كنت كل مرة أخرج في جنح الليل، أحيانا تمام الواحدة صباحا والوقت ربيعا أو شتاء فأجد شبابا لم يتجاوز معظمهم الثامنة عشر وهم على غير وعي من أثر السكر والتخدير. لم أرى وهم في حالتهم التي تدعو للشفقة أن أكون معهم قاسيا ولم أكن لأحمل معي شيئا يسمح لي بالدفاع عن النفس. بل كنت فقط أطلب منهم مغادرة المكان ووعظهم بما حضرني من كلمات. ومن الطبيعي جدا أن يتفاعل معك هؤلاء بكل احترام رغم حالتهم وهم عن عقولهم شبه غياب. لكن من خلال حديثي معهم تبين لي أن معظمهم كانوا ضحايا : ضحايا أب اغتاله الإجرام أو قسي عليه المجتمع : الفقر، البيت غير المتماسك والمدرسة التي أصبحت ملجأ لتمضية الطفولة،… لكن الغريب أن الكثير من سكان الحي كانوا على علم بذلك ولا أحد كانت تطاوعه نفسه أن يخرج ليحدثهم وينهاهم، خاصة من كان حائط منزله متكأ لهؤلاء ! للأسف كان إماما بالجامع القريب بوسط المدينة. لا ألومه، فهو من المجتمع الجديد !

إننا نتنصل شيئا فشيئا من مسؤولية تفرض نفسها علينا كي يبقى المجتمع متماسكا، لنصبح بعد مدة من الزمن غير بعيدة قطعانا من البشر، نساق كما الدواب بين مرعاها ومأواها ولم يعد للإنسانية سوى تلك المظاهر التي دأبنا على ممارستها فأصبحت طقوسا فارغة لا هدف من وراءها سوى تخدير الروح الإنسانية التي أصبحت بلا عمل ولم يعد ذلك الجسد الذي تسكنه سوى كتلة من تراب ينقص أو يزيد.