خلال الحرب العالمية الثانية، أنشأت فرقة مخابرات روسية سميت “الأوركسترا الحمراء” لأنها كانت تتعامل تمويها بأسماء لأعضاء فرقة موسيقية مع أجهزتها التي كانت في الحقيقة عبارة عن أجهزة اتصال وجوسسة.
في جوان 1941 اعترض الألمان النازيون إشارات الفرقة واستطاعوا القبض على كامل أفرادها في سرية تامة عدا رئيسها، فلجؤوا إلى حيلة استخدامهم والعمل تحت سلطتهم وحراستهم، ليستطيعوا عن طريقهم إرسال معلومات مغلوطة إلى مركز المخابرات الروسية التي تستخدهم، مفادها أن رئيسهم “تريبر” الذي لم يقبض عليه النازيون، أصبح خائنا تابعا للمخابرات الألمانية، فأصبح متابعا من طرف الجميع. حين بلغ الخبر رئيس الأوركسترا قال عبارة شهيرة “لقد نجحوا…” ويقصد المخابرات النازية في حيلتهم تلك.
إنما سقت الخبر، لأقول لمن أعرف ولمن قرأ هذا المنشور… “لقد نجحوا…” في جر العديد منا عن طريق إعلام تابع لهم وممون من طرفهم أن يقلبوا الحقائق، لتصبح فلسطين المحتلة “غزة المحاصرة” والخائن بالوطن العربي “زعيم” والمسلمون “طوائف وفرق” متناحرة “شيعة – سنة ” ثم “إخوان – سلفيون” ثم يتحول الجميع منهم إلى “إرهاب” وجب على الشرفاء والوطنيين “العلمانيين” محاربتهم بمساعدة العالم المتحضر “الأعداء”.
حتى ثقافتنا أصبحت شبيهة بصيدلية تضم مختلف الأدوية دون اختصاصي، وجد بداخلها من يصف لك الدواء فتقبل به ليصبح الكثير إن لم نقل الجميع مؤمن ببراعتهم وخبراتهم وعلمهم. وهكذا، في وقت ما تحت كثافة إعلامية هائلة ورهيبة، وجدنا الرويبضة يصبح “مستشارا” وشواذ الروايات “كتاب ومفكرين عظام” ثم انتقلت الطامة عبر وسيلة أكثر فتكا وهي الفضائيات ليقدم لنا حفاظ المتون والكتب ممن لا يفقهون في الواقع شيئا، على أنهم “مشايخ ودعاة وعلماء”.
أمام كل هذا الاستعمار الممنهج للعقول الذي تحول إلى “استحمار” مقبول لدى الكثيرين مما حسبوا على المثقفين… لا أملك إلا أن أقول …. “لقد نجحوا” …. إلى حين…. ربما سيأتي جيل، للأسف الشديد قد لا نكون فيه من الأحياء…
لنندب حظنا أننا ولدنا في عصر “الرويبضة ” و”غثاء السيل” و”الاستحمار”… وطوبى لجيل يكلمه ويطيعه “الحجر والشجر”.
أرسل يوم- سياسة | لا توجد تعليقات »
الاضطرار، المصلحة وحب الانتقام، تلك هي الأسباب التي تؤدي إلى زواج غير متناسق من حيث المستوى العلمي، الثقافي أو الجمالي. أما الحب فذلك شيئ آخر، إن لم يكن للتضحية فيه نصيب فدوامه من دوام الاخضرار بلا مطر.
في رأيي وما يفضل أن تتفوق فيه المرأة على شريكها : الجمال والحسب والجاه والخلق والمشاعر. يختلط كثيرا على بعضهم كلمتا الجاه والنسب، بينما الفرق أراه بالنسبة للزوج أن النسب يفيده في الحصول على ذرية تشبه الأخوال أما الجاه فيحتاجه في المساعدة على استقرار أسرته وطلب المعونة متى احتاجها. وإن كان الجاه أحفظ للزوجة منه للزوج، لأن الزوج سيفكر كثيرا في العواقب قبل أن يقدم على خصامها بما لا تحمد العواقب.
والرجل، يفضل أن يفوق المرأة في العمر والعلم والطول والمال والقوة.
وهناك صفتان أساسيتان يجب مراعتهما لدى كل منهما وهما الدين والخلق. ولا دخل للدين في الخلق، فكم من متعبد يشتكي الناس من لسانه. وكم من متخلقة، ترفض ستر نفسها أو الالتزام بصلاتها.
لعل أكبر حبل يربط الزوجان بعد الحب المسؤولية، فإن زال الأول بقي الثاني وهو أشد متانة، وإن كان مثل الماء الشروب الذي لا يعوض المطر. سألني صديقي المتزوج يوما، ما رأيك في أن أحقق أمنية لفتاة أجنبية كان يحبها، على أمل أن يكون بينهما ولد يبقيه لديها كذكرى جميلة، فقلت له : وهل ستقيم معك بعد الزواج هنا، قال لي : طبعا هذا مستحيل، لكني سأتزوج على الشريعة. فقلت له : يا هذا، هل تعتقد أن الولد لعبة!؟ ألست مسؤولا أمام الله عن دينه وتربيته… فسكت.
الثقافة عامل أساسي لكل من الرجل والمرأة. ولا يجد الرجل حرجا في تفوق الزوجة عليه. بل يحس بنوع من الحظ النادر أن يجد زوجته أكثر ثقافة وأدرى تصرفا.
كما يقال فإن الرجل ابن بيئته على عكس المرأة حيث أنها عادة ما تتلائم مع بيئتها الجديدة، فهو مهما كانت ثقافته، يميل إلى بيئته التي تربى فيها. فإن تربى على الهدوء والاحترام والمسؤولية فإنها ستكون تلك صفاته في أسرته المستقبلية. أما وإن كانت بيئته عصبية أو تتميز بالتهور أو الاحباط فغالبا ما ينقلها على حسب ما تكون المحفزات في بيئته الجديدة. الأمر أشبه بأمراض وراثية، ظهورها أكيد بمحفزاتها. هذه فائدة كبيرة، تدفعنا عند السؤال قبل الرضا، عن بيئة الزوج التي عاش فيها مراحل عمره : أبويه، قريته، أصدقاءه وزملاء العمل.
ليس عيبا أن تقبل فتاة بمن يصغرها سنا، إنما يجب أن تكون الفتاة مستعدة للتضحية في ما يخص المجتمع. كما أنها ستعتبر نفسها أكثر تجربة منه في الحياة وقد ترى أن عليه الاستماع لها في كل شيئ والعمل بما تراه هي الأنسب. لكن هناك نوع من الرجال يحبون أن تكون المرأة ذكية ومحيطة بما يكفي ولا يجد في نفسه شعورا بنقص أو حرجا، لحاجته الماسة إلى من يكون له ناصحا ومعينا على حسن التصرف إزاء الأزمات، فكم من صالحة، قبلت بسوء عادة زوجها وأحب هو تغييرها له، فراتب الشهر وكيفية التصرف فيه بما يحفظ للبيت ميزانيته والرجل ماله دون طمع أو بخل، أو تصرفها الحكيم في اخراج الزوج من ضائقة نفسية أو مالية، كلها أمثلة رائعة تفيد الزوج والزوجة معا.
أنصح دائما أن لا تكون الفتاة بمستوى علمي أحسن من الرجل، لأن الشعور بعقدة النقص للرجل وعلو المكانة للفتاة سيكون دائما الحركة المعيقة لاستمرار دولاب الحياة الزوجية في دورانه العادي على الأقل. فلا يخلو بيت من البيوت من سوء تفاهم ولو بشكل عابر، لكن كلما حدث بينهما، ستكون أول زلات لسان الزوجة ذكر مستواها العلمي وتنازلها عنه، ما يشعر الزوج بالنقص الممزوج بالتحير والأسف على الظروف التي أدت به لعدم اكمال دراسته. يتوقف الأمر كذلك على مدى ثقافة الرجل ونجاحاته في الحياة بما يجعله ينشغل عن مثل هذه الأمور، فبعضهم يحب أن تكون زوجته مكملة له في نجاح لم يتحقق له في الحياة وبعضهم ليس لديه الوقت للتفكير في مثل هذه الأمور، لكن الأفضل أن يكون للزوجة السبق في منع تطور مثل هذه المشاحنات… ولعل أفضل سلاح تتمتع به المرأة صمتها عند غضب الزوج أو بكاءها أمامه. فمهما كانت غلظته، فإن البكاء يجلب أحد الأمرين، إما البسمة أو الاهتمام. وكلاهما يكبح تطور النزاع.
سمعت عن عجوز لا تزال تمدح زوجها وهي في السبعين من العمر، تقول : لقد كان من شدة حبه وهو في الثمانين من عمره يغني ليطربني. ولما سألت عن السر، قالت : حين تزوجته، عملت طوال عام كامل على تسجيل ما يحبه وما يكرهه. لم أرد عليه في خصام أو معاتبة قط. لم أدر له بظهري حين يكلمني أبدا. لقد أحس باحترامي الشديد له فمنحني كل حبه.
وأعرف صديقا ذكر لي أن أحد أقاربه لو أمر، وقد أصبحا لهما أحفاد، أن تبيت واقفة أمام الباب لفعلت أو على الأقل هذا ما تقوله الزوجة أمام الجميع. السر بسيط، لما تزوج هذا الرجل تلك المرأة كانت تعاني أمراضا مزمنة، ورغم أن الجميع من أهله وأقاربه، نصحوه بتطليقها والزواج على نفقتهم إلا أنه رفض. لقد فعل هذا الرجل بعد ذلك المستحيل على المثقف، رغم أنه لم يقرأ أو يكتب في حياته، أن يفعله لمداواة زوجته وشفاءها من مرضها حتى تعافت تماما ورزقهما الله بأولاد وبنات أخذوا من الحياة الكثير من النجاح.
أحد أكثر أسباب فشل الزواج أهل الزوجة إن كانوا من يتميزون بنوع من الكبر أو أهل الزوج إن لم يكن هو مسؤولا بما يكفيه أن يترك زوجته عرضة لصدام مباشر معهم.
العناد سم قاتل يتغلغل كالسوسة ببطئ إلى الحياة الزوجية ليحيلها إلى بيت أعمدته فارغة، ليس يحمله إلا ذلك الغلاف المتماسك الرقيق لها ومتى حدث به شرح انهار البيت حطاما. ولعل المظاهر الخارجية كالخوف من كلام الناس عن الفشل وسوء التصرف والضحك على الحال، هو فقط ما يبقي أكثر البيوت تقاوم إلى حين أن تظهر فضيحة للعيان، فتكون القشة التي تقصم الظهر.
لعل أكثر أزمة تحطم معنويات المرأة، أن يكون زوجها زير نساء ولو باللسان. فمن كانت غيرتها شديدة، ليس لها أن تقبل به، وإلا كانت حياتها جحيما لا يطاق.
تجهل الكثير من الزوجات أن الرجل الذي تحاصره الزوجة بمزيد من عدم الثقة وتتبع أسراره، سيكون السبب المباشر الذي يدفعه للتفكير بجد في دخول المغامرة من أبوابها التي فتحت بهذا العصر على مصراعيها أمام تنازل العديد من الفتيات على قبول زوج فوق العادة مهما كانت مشاكله أو ارتباطاته، لأن العديد منهمن قد اقنعن أنفسهن بهدف غير الشعور باهتمامه وحنانه، فكثير منهن لهن رغبة في زوج كحلم لم يتحقق من بين أحلام أخرى تحققت لهن من دونه، أو رغبة في حلم لا يتحقق إلا عن طريقه كالولد أو العائلة الكبيرة.
بعض الفتيات يمثل لهن الرجل أمرا أكبر من اعتباره زوجا، بل وسيلة لتحقيق غايات أسمى وأغلى، كالعفاف والطاعة والصبر لنيل الأجر، فهو جهاد تغفل الكثير من النساء عن درجته عند الله، ولعل ذلك فرصة تعادل أو تفوق الجهاد بالنفس والمال، قد لا يتاح اليوم للرجال.
على عكس ما سبق، لا يمثل المال ولا القوة إلا قوة الشخصية، اليوم الكثير من الأهمية بالنسبة للفتاة، خاصة إن كان مستواها العلمي أعلى من الرجل، لأنه بامكانهن تجاوز ذلك. لكن قوة الشخصية، أمر تشعر معه المرأة باحباط شديد. فمهما كانت قوته الجسمانية وماله الوفير، فإن مجرد سذاجته مع محيطه في ما يخص شرفه أو تصرفه في حل الأزمات، كارثة تجعل المرأة تعيش في حيرة وقلق دائمين. فليس غريبا أن نسمع عن زوجة فرت من بيت الزوجية وربما بمساعدة أحدهم، غالبا ما يكون الزوج قد إأتمنه على أسرته رغم معارضة زوجته.
ليس المستوى العلمي للزوج اليوم كثير الأهمية، باعتبار أن الكثير من الزوجات يشتكين من تصرفات أزواجهن الصبيانية والمتهورة. فما أهمية الظفر بطبيب لا يعرف الحلال والحرام.
سألني أحد الأصدقاء قبل زواجه يوما أن إحدى الفتيات يرى فيها زوجته المستقبلية، خاصة أنها تحبه وتتمناه بشدة، فقلت له ولما لا تتوكل على الله وتتقدم خطوة، فقال لي هناك مشكلة! ليس للفتاة إخوة ذكور وأزواج أخواتها كلهم، أكرمكم الله، معاقرون للخمر وأمور غير محمودة، وأنا لا أريد أن تلتقي بهم، خاصة في غيابي، لأني شديد الغيرة، فقلت : انسها وتمنى لها الخير.
قال لي أحد الأصدقاء، أن زميلة بالعمل كانت على جمال وخلق ومن عائلة صالحة كريمة، تأخرت في الزواج، وحدث أن طلبت منه بعض صديقاتها أن يرى في أمرها تزكية لدى أحدهم ممن يريد أن يبني أسرته على سنة الله ورسوله، فقال لها : قولي لصديقتك إن أرادت الزواج أن تتوقف عن تصرفاتها الصبيانية. وبمثال بسيط، أضاف : ماذا لو أتى من وصفتها له ليراها ووجدها تلعب بدراجة زميل العمل بساحة عامة!؟ سيقول عنها أنها “بهلولة”. وفعلا توقف والتزمت فتزوجت بعدها بأشهر قليلة.
السذاجة وعدم مراقبة اللهو أكثر منفر للزواج. أطالع أحيانا منتديات معروفة، لأجد فتيات يتبادلن أطراف الحديث بخصوصية غير معهودة على الملأ مع زملائهم. غير أن الفتاة، وهي تعبر عن مشاعرها بصدق، يقابل ذلك الفتى وهو يكيل لها كلمات الاعجاب وصفات المديح في تصنع قلما تجد له نظيرا. يتطور بعدها إلى عبارات تلتمس فيها أنهما سيكونا أحلى زوجين في المستقبل، سرعان ما تصطدم بالواقع، لتجد بعد فترة ليست بالطويلة سيلا من كلمات الحزن والأسى الممزوجة بالغيض وحب الانتقام. بينما في الظل يقف مراقب يبحث عن الفتاة المستقبلية بعزم واحترام، مشدوها من الفتاة التي وصفت له بالخلق الرفيع، ويعدل عن قراره دون أن تعرف هي أن فتى الحلم قد عاد من منتصف الطريق.
أيضا من منفرات الزواج لسان المرأة السليط أو قلة الاحترام، فالكثير منهن بالعمل تتجاهل آراء الناس الذين تتعامل معهم. فموظفة إدارة مثلا قد يأتي إليها طالب عمل بطال وفي حالته المزرية تلك مع ما لا يمكنه أن يجعل من هندامه ذو لياقة، تستقبله كأنه أشد الناس قرابة لها وتقضي له مصلحته، مع ما يلحظه من اهتمام خاص به، من يدري لعله من فوره ستكون أمثلة المرأة الصالحة التي يتحدث بها كلما التقى بأفراد أسرته، أصدقائه أو زملائه ومن يدري لعل الله سيفتح له باب الزرق عن طريقها ويكون الأجر مضاعفا.
ولو أنها بمجرد خطأ عابر، وحدث وأن أهانته، فقد يجعل منها مثل الشمطاء التي لا تصلح لعادة أو عبادة.
واختم ببشرى تغفل العديد من الفتيات اللاتي لم يسعفهن الحظ في الظفر بزوج بالدنيا، لأقول
لهن : وما أدراكن، لعل الله قد جعل لكن أزواجا في الجنة بما تقر به العين في درجة لم يظفر بها إلا السابقون السابقون، فلعلكن مع القلة من الآخرين والثلة من الأولين.
للحديث بقية … /…
أرسل يوم- المجتمع | لا توجد تعليقات »
هذه القصة، كأني بها حقيقية وإن لم تكن فإنها واقعية وكثيرة هي الأحداث التي يتسبب فيها المتهورون في غفلة الضمير وغياب العقل ولا يدري هؤلاء أنهم قد يغيرون تاريخ أسرة كانت تعيش في أمن وسلام إلى مأساة.
هي قصة أحكيها بأسلوبي على لسان من يرويها.
يقول صاحبنا :
كنت أتجول في رصيف للتسوق كبير، يعج بالمارة وقد لا يدري أحد بقصة أحد. فربما منهم من أتى وليس في جيبه ما يسد رمقه وربما بات ليلته مع أسرته دون عشاء أو لعل بعضهم تبدأ قصته هناك وأخرى تنتهي… وأنا أتجول، قلت في نفسي لعلي سأعيش أحداث قصة منها، عندما رأيت بائعاَ يتحدث مع صبي لا يمكن أن يكون قد تجاوز الست (6) سنوات . وأنا أقترب لأرى ما يجري عن قرب، سمعت البائع يقول : ” أنا آسف، النقود التي معك ليست كافية لشراء الدمية العروسة !”
ويرد الصبي في ثقة يعجز عن إحضارها البالغ المجرب : “أنت متأكد أني لا أحمل المبلغ الكافي لشراءها !؟”
عد البائع النقود مرة أخرى…” أنت تعرف يا بني أن النقود التي معك غير كافية لشراء العروسة”، يقول البائع وهو يمد يده لاسترجاع الدمية من الولد والصبي لا يزال ممسكا بها على أنه سيشتريها.
رق قلبي لحال الولد وأنا أعرف أن البائع يقول الحق فمشيت نحوه وسألته : “لمن تريد شراء العروسة يا صغير !؟”. فرد : “هي لأختي التي أحبها كثيرا بمناسبة عيد ميلادها، لكني لا أستطيع أن أوصلها إلا عن طريق أمي وأخشى أن تذهب بدونها… هي الوحيدة التي يمكنها أن تزورها ربما عن قريب كما يقول أبي…”. كانت نبرة البكاء توقف حروف كلماته بين عبارة وأخرى وعيناه حزينتان جدا … ثم يسترسل وكأنه يعرف أنه لا يمكنني معرفة ما يعنيه، فأكمل ” أختي ذهبت لربنا .. وبابا يقول أن ماما ستلحق بها قريبا، فقلت … أسلمها العروسة لتوصلها لأختي …”.
توقف قلبي تقريبا فلم اعد أسمع دقاته وكدت أجهش بالبكاء وإن خانتي بضع دموع، سرعان ما التفت ومسحتها كي لا أصعب من حالة المسكين… حينها، نظر الولد إلي وكأنه كان يرى في وجهي علامات تجعلني أفضل معين له على تحقيق ما يتمناه قبل أن تغادر أمه الحياة، في اعتقاد منه أنها ذاهبة حقا للقاء أخته، وقال لي : “… قل لبابا يقنع ماما أن لا تذهب عند ربنا قبل ما أصل ومعي العروسة… ليجعلها تنتظرني حتى أعود من السوق… في إمكانك عمي… أليس كذلك !؟ … رجاء !” ثم أخرج من جيبه صورة جميلة جدا له وهو يضحك وقال لي “… وأريد من ماما أن تأخذ الصورة لأختي كي لا تنساني… لكني رغم أني أحب ماما ولا أريدها أن تتركني وحدي، لكن أختي في حاجة لها أكثر مني لأنها ذهبت وحيدة … وتحتاج إلى عناية… هكذا يقول أبي عندما أترجاه أن تبقى معنا” … ثم ينظر مرة أخرى إلى العروسة بعيون حزينة … والبائع يكاد يسترجعها منه.
أخرجت في غفلة منه مقدار ما يحتاج ويزيد من النقود وقلت للصبي، “ناولني ما معك … هلا نعد ما معك مرة أخرى ونرى إن كان يكفي أم لا لشراء العروسة !؟”، فرد علي “ولما لا… هيا نعدها مرة أخرى… !” وهو يقول بصوت خافت لا يكاد يسمع لكنه مفهوم ويكرر … “… يا رب يكون معي ما يكفي… !”… أخذت النقود من يده وأضفت ما عندي دون أن يراني الصبي وبدأنا العد مرة أخرى… كان هناك ما يكفي لشراء الدمية… ويزيد.
عندها رفع الصبي يديه، قائلا : “شكرا لك يا ربي أنك جعلت ما معي من نقود تكفي لأشتري العروسة لأختي”… ثم نظر إلي وأضاف “البارحة، دعوت قبل أن أنام أن يجعل ما معي من نقود كافية لشراء العروسة، لأعطيها لماما قبل أن تسافر عند أختي… الحمد لله أن ربي سمعني… أردت أن يكون معي أكثر من مبلغ العروسة، لكن خفت أني كنت أطلب حاجات كثيرة من ربي… لأني كنت أريد شراء وردة بيضاء كذلك… لكن الحمد لله… ربي عرف ما في نفسي وأعطاني ما يكفي لشراء الوردة… لأنه ماما تحب الوردة البيضاء كثيرا… وكان لا بد أن أهديها شيء من عندي تحبه قبل أن تغادرنا”.
انتهيت من التسوق في حالة مرتبكة تماما ودموع الحزن لا تغادر مقلتي وصورة المسكين وحالته مع أسرته التي يبدو أنها تعيش مأساة حقيقة لا تغادر مخيلتي. لم أتمكن يومها من إخراج الصبي الصغير من ذهني.
عدت إلى المنزل وتناولت صحيفة الأخبار التي كانت بغرفتي منذ يومين واسترعاني بها خبر تذكر فيه الصحيفة أن رجلا كان يقود شاحنة وهو في حالة سكر صدم بسيارته امرأة شابه برفقة فتاة صغيرة. وقد توفيت الفتاة على الفور، أما الأم فقد كانت حالتها حرجة وكان على طاقم المستشفى أن يخيروا الأسرة أو ما تبقى منها بشأن اتخاذ قرار نزع أجهزة الإنعاش عن الأم لأنها كانت ميتة إكلينيكيا، حيث أكد أحد الدكاترة أنها لن تعود من الغيبوبة … إلا بمعجزة… كانت هذه عائلة الصبي الصغير.
بعد يومين من لقائي مع الصبي الصغير، وأنا أقرأ الصحيفة، تقع عيني علي خبر وفاة المرأة … اغرورقت عيناي بالدموع ولم أستطع التوقف عن التفكير بمصير المسكين وهو يودع أمه، فنزلت لشراء مجموعة من الورود البيضاء وكان كل ذلك بعفوية فأنا أعلم أن ذلك لن يغني من الأمر شيئا… ذهبت إلى الجنازة حيث رأيت كفن المرأة الشابة والناس حولها يدعون لها قبل أن توارى التراب.
كانت هناك، في نعشها، ووردة بيضاء جميلة مع صورة الصغير والعروسة وقد وضعت على صدرها. تركت المكان والدموع تنهمر من عيني وشعرت مع الموقف الحزين أن حياتي ستتغير إلى الأبد …
الحب الذي كان يحمله الصغير لأمه وأخته لا يزال يلهم مخيلتي كلما رأيت أسرتي أو فكرت في أسر أخذها الموت بسبب أم الخبائث أو تهور من عديمي المسؤولية… من الصعب أن نتخيل أنه في جزء من الثانية يأخذ سائق سكران كل رمز للحياة والرعاية والحنان عن ولد ربما ستكون حياته محفوفة بشتى أنواع الحرمان والقهر والضياع بسببه.
فيا من أعطاه الله نعمة العقل لا تجعلك من نزواتك مجلبة لمآسي الناس من حولك… سوقوا بحذر … واعلموا أن لحظة من طيش قد تزيل أرواحا من العيش.
أرسل يوم- غير مصنف | لا توجد تعليقات »