#تأمل… المعارف والفكر والعلم… والاجتهاد… ما الفرق!؟


تغزل الصوف لتصنع منها خيوطا وبعملية فتل نصنع منها نسيجا متينا هو كل ما يفيدنا.

هل رأيتم أحدنا يلبس صوفا كما هي من دون نسج!؟ أو يتكئ على صوف من دون وضعها في وسادة!؟
تنخفض درجة حرارة الجو في الأعلى لتصنع من الغيوم قطرات تتجمع وتنزل في شكل مطر إلى الأرض لتنتفع بها كل الكائنات؛


ماذا لو لم يبرد الجو في الأعلى!؟ وماذا لو لم تشرق الشمس ولم تهب الريح لترفعا من البحر بخارا إلى السماء!؟

وماذا لو ما وجد الهواء الذي يتشبع بالبخار إلى حد معين!؟ ربما سيحل الصقيع الذي يقضي على كل شيء وربما ستحدث ظواهر غليان عجيبة على سطح الماء لم نرى مثلها من قبل… لست أدري فالفيزياء علم تجربة أكثر منه تجريد واستنباط!؟

إن عملية جمع الصوف أو تشكل الغمام هي في نظري تشبه إلى حد بعيد عمليات اكتساب “المعارف”، فالمعارف بعد اكتسابها مجرد “هالة” غير ثابتة وغير مرتبة وغير صافية من الشوائب.

لولا عملية “الفكر” التي تشبه برودة الجو وفعل الجاذبية وعملية تجمع البخار في قطرات لتشكل من “المعارف” زبدة، هي كل ما نريده من المعارف وهي كل ما ينفعنا فعلا في الحياة من أحكام ومعايير أو لنقل مناهج، فالفكر هو الذي يصيغ عملية “المنهجة” التي منها سنصل إلى المرحلة الثالثة والمهمة وهي “العلم” أو النواة.

“العلم” أو النواة لن نحصل عليه من المعارف بشكل مباشر أبدا، فعملية الفكر ضرورية لتصيغ تبينا وتلخيصا ومناقشة قوانين ثابتة قوية أو اجتهادات مقنعة أو إسقاطات ملائمة قد تتغير حسب طبيعة المجتمعات والمكان والظروف.

لم أتعجب أبدا من العلماء الراسخين في العلم ومنهم كثير في تراثنا الإسلامي أن يكتفي أحدهم بالإجابة على أسئلة الناس المتكررة والملحة بما يشبه المختصر المفيد أو البساطة في الطرح أو الامتناع عن الرد، لكنه لا يفصل تفصيلا إلا لعالم مثله أو طالب علم لم يحق له الاجتهاد بعد، فالنقاش بين العلماء يصول ويجول خارج النواة في الفكر والمعارف من دون توهان ولا زيغ وذلك لا يتأتى لعامي أو قليل العلم أو فاقده.

أما “المكثرون” منهم فقد فتنوا أكثر مما نفعوا، لأنهم ببساطة ألقوا بسحابة “معارف” على مجتمع فأصبح الحال في ذلك المجتمع جوا ضبابيا ليس للرؤية سوى مجال ضعيف، فتحدث فيه الكثير من المشاكل وتتعطل مصالح الناس بسبب ذلك الجو.
“المكثر” في الحقيقة نوعان :

– نوع لم يهتم أبدا بصنع نواة “علم” فهو وحده فقط في ذلك الضباب من يعرف طبيعة ما فيه وقد يشكل منه ما يحتاجه الناس لو طلب “استشارة”، لكنه يتصرف كالمرجعية المقدسة، كلامها لا يرد حتى ولو لم يفهم.

– نوع ثان وهو الذي يمتلك “معارف” لكنه فاقد “الفكر”، فهو يخطئ ويصيب في الفتوى والاستشارة، لكنه يصنع في الناس نوعا من “التعصب الأعمى” لكونه يحاكي بعلمه “المعرفي المشتت” عمل العلماء في التصنيف والاستنباط، لكن للأسف من غير تبين ولا نقاش ولا ترو أو لنقل هو “اجتهاد” في واقع “محدود”.

العلماء الراسخون في العلم صنعوا من المعارف مناهج عن طريق الفكر لحل مشاكل الواقع فأصابوا فنفعوا. أما أولئك المتخبطون في “المعارف” بلا “فكر” فهم قد فتنوا أكثر مما نفعوا.

في مرحلة متقدمة من العمر نجتهد في جمع “معارف”، عبر المدرسة والمجتمع والإعلام والمطالعة وحكايات الناس وحتى خرافاتهم ونمارس الكثير من التجارب المفيدة وحتى المتهورة، كما نخرج إلى الطبيعة ونتعلم من كائناتها غير العاقلة والتي غرس فيها علم الله برمجة محدودة التحكم فيه والتغيير.

هذه المعارف نمتحن فيها ونتناقش بها في مجامع ومجالس وحلقات ونستمع إلى تحليلات ونحاول التبين من كل “غموض” وتشكيل “خلاصات”. إننا هنا نمارس العملية الفكرية للحصول على العلم اليقيني والذي قد نحصل عليه بشكل مباشر من أحكام الله المنزلة في كتابه أو الأحاديث الصحيحة غير المختلف في صحتها ولا فهمها أو لنقل “الأصول”. تلك “الأصول” التي نتعلمها عبر المدرسة أو الكلية هي بمثابة “نواة علم”، تكبر بالفكر القويم انتقاء من المعارف، فقليل المعارف ضعيف التفكير فاقد للاستزادة في العلم. يكفيه أن يقتدي ولا يتبع، لأنه رغم قلة علمه فرب العالمين زوده بقلب إن غذاه بالوعظ كفاه عقله به في الاطمئنان إلى ما يقبله أو يرفضه من التعاليم والفتاوى والتوجيهات.

أخطر شيء في استخدام المعارف لتوجيه الناس هو خلط “الوعظ” ب”الحكم”، فترى بعض الدعاة والمشايخ وحتى العلماء يخوض في نشر الأحكام على أساس نصوص “وعظ” قد تؤدي إلى كوارث نرى اليوم على ساحات الخصومات والحروب ومنها “الحشد الطائفي” أسوأ وأبشع شيء وجد على ظهر الأرض على الإطلاق، لأنه يصنع “الفتن” التي تهتك الأعراض وتسفك الدماء أو تنشر الفساد في الأرض بشكل عام.
لكن هناك ما يسمى “الاجتهاد” وهو في الحقيقة طريق العلم لكن من دون تجارب لن يصل أبدا، فالاجتهاد “التجريدي” قاصر ما لم يثبت بالتجربة وذلك ما يسعى إليه العلماء بعض وضع نظريات تجريدية قائمة على قاعدتين أساستين : الفرضية والنص (نص النظرية). وهنا تحضرني قصة أعتقد أنها واقعية وقد صيغت في فلم المتأمل فيها سيفهم ما أرمي إليه من وراء هذا المنشور : بظهور الثورة الصناعية كان تجار الصوف هم أباطرة صناعة الألبسة وتجارة الملابس. صنع هذا الرجل بناء على تجارب كيمايئة بدلة ناصعة البياض من خيوط نيلون، كانت بشكل ما مثيرة جدا للانتباه مما أثار حفيظة تجار وصناع الألبسة الصوفية، فهددوه بل وجروا وراءه في وسط الشارع لينتقموا منه، وهم كذلك إذ بدأت زخات المطر تسقط والرجل واقف بعيد عنهم محتار إلى أين يهرب. حينها ولوقت قصير تشربت البدلة بقطرات المطر فأصبحت هشة للغاية ولم ينتبه إلا وقد أحكم أحدهم قبضته على البدلة فإذا به يقتطع “قطعة” وكأنها مجرد صوف بلا نسيج… وهكذا أصبح المسكين أضحوكة ومحل سخرية وقد أقبل من كان يطارده كل يقتطع من بدلته وهو واجم مصدوم لا يعرف ماذا يحدث!؟ لقد كان اجتهاده غير كاف للواقع. وللحديث بقية وتحديث.