رسالة إلى روح أمي في أربعينيتها…

رسالة إلى روح أمي في أربعينيتها… وقد زفت بإذن الرحيم الرحمن إلى روضتها…
إن الألم حين يمس الروح لا يخرج فقط مع الدموع والأنين. لقد كان وداعك مؤثرا بلا علامات معبرا بلا كلمات، كأنما هي صورة واختفت لتترك في الخيال حياة.
أشياء يصعب عدها ستذكرني بك.
أتوجس خيفة وتسبقني دموعي حين أردف دعاء الرحمة باسم أمي أو والدتي…
لم ولن أعلن الحزن ولا الحداد…
أتدرين!؟ لقد كانت أيام العزاء مشاعر متداخلة متناقضة لا تشبه مواقف الحزن، شيء مختلف تماما عن الحزن… هو شيء أسمى في الحزن… وهل للحزن سمو!؟ نعم… لقد كنت أحس أن روحي معك باكية وفي نفس الوقت متأثرة بحفاوة ملائكة الرحمة بك وهي تتلقى روحا طيبة مطمئنة وكأني أنظر إليك من نافذة غيب لا يحس بوجودها سوى من يعرف سر الأرواح المتآلفة… إنه فرح الأرواح وهي في قمة الألم الدنيوي… فجسدي هنا حيث الحيرة من الآتي والأسف على مضى وفات… أثرثر بيني وبين نفسي، فأبكي مر البكاء من داخلي وأبتسم في الوجوه بلا تكلف وفي نفس الآن… وكأني ألمس روحك تنهاني عن البكاء؛ أو أرد على المعزين بهدوء لم أعهد له من قبيل مثيلا… هدوء يصنعه الرضا بقضاء الله وقدره فيمدك بنسمات من رحمات تتدفق مع سيل الألسنة بعفوية طلب استحضار الصبر  والسلوان مزاجها أدعية صادقة صدق بركات وسحنات الوجوه الطيبة المعزية التي كأنما هي قدمت لتشهد وداعا لا يشبه وداع الفقد بقدر ما يشبه هبة بالمدد والزاد من جميل الأمنيات إلى روح مسافرة إلى ربها راضية مرضية مطمئنة لوعده الصادق للمؤمنين… لقد شهد عزاءك في يومه الأول حضور وجوه لم نرها من قبل ولم نتعرف سوى بطيب بصماتها في المجتمع… ومنها من قدمت من غير معرفة بالخبر وبلا موعد ومن بعيد… وجوه نيرة بإخلاصها في سطور تعارف، ليست سوى شذرات من كتاب ربها في الصدور…
هل تعرفين أين أنت!؟ هل تعودين إلى ذلك الجسد الفاني… على فترة وأنت كأنك النائمة في روضتك أم على فترات حتى وجسدك رفات!؟
ما زال في الحياة وسيبقى هناك طعم لكل ذكرياتك، حتى أنك برحيلك قهرت في نفوسنا الخوف من الممات…
رحيلك أماه وإن أغلق بابا لنا نحو الجنة من تحت قدميك فقد فتح لنا إليها أبوابا من التوبة والإنابة… فتح كأنه طريق إلى الجنة بلا حساب…
دعينا نتحدث كلمات إلى أرواح لم تعد تهتم للجسد ولا المادة الدنيوية الفانية…
لكن قبل ذلك دعيني أخبرك أنني لا زلت أخشى أن أترك الأشياء مبعثرة ولا زلت لا أهتم لقهوة الصباح وفطوري وعشائي كما تركتني دائما… لا زلت أخشى أن تريني على ذلك الحال وكأنك أمامي مشفقة على حالي رغم علمك بأنه بالنسبة مجرد عادة… ودعيني أخبرك أني بعدك لن أنتظر من يأتي إلي حبوا بالدرج ليتفقد حالي…
لست أدري هل ترتقي الأرواح التي غادرت أجسادها إلى البرزخ!؟ لكن أيتها الروح الجميلة قبل رحيلك عن ذلك الجسد المنهك فقد كنت أراه في منامي يتعافى وكنت تتحدثين وتمشين كما كنت من قبل… لقد كان ايذانا بالعودة وإنذارا بالرحيل وكنت أعرف ذلك رغم الأمل…
لم يعد في حياتي خوفا على أحد كما كان قلقا عليك من الفقد…
أماه فراقك صعب مؤلم… كيف لا وهناك جنود مجندة من أرواح طيبة تمر على ذكراك وقد آلمها رحيلك وهي التي لم يكلف أصحابها سوى مرور الصباح والمساء لتجذبهم روحك الطيبة المرحة فآلفوها ألفة الأهل والرحم وكأنك ولدت وعشت وترعرعت معهم وبينهم… لسانهم لا يكف عن الدعاء لك…لقد كان خبر رحيلك يخطف منهم الدمع قبل الكلام…
يقال أن الديار تشتاق لأرواحها، لكنها لا تفعل يا أمي! وكأنها رحلت معك هي أيضا!؟ كأن لها هي كذلك أرواح تغادر مع ساكنيها إذا رحلوا فلا تترك لزائريها سوى ذكريات عنوانك الأخير…
تتذكرين ولا شك توأم الروح… والذي تحملت مرضه لعشرة سنوات بل أكثر… لقد بكى رحيلك بكاء الطفل وهو الذي لم يعد يتعرف على من حوله إلا الشيء اليسير… كان يناديك “أمي” ولا زال يسأل عنك كأنك كنت بالفعل والدته التي لم تفكر يوما إلا أن ترتاح متى هو يرتاح… لا شك أنك ستتذكرين تلك القصة “الوصية” التي وصانا بها من عشرين سنة… لقد سبقته إلى المكان… فذلك جسدك الطاهر يرقد بتلك الربوة حيث دفن الصالحون من زمن الرجال والخير والصلاح… هذه شهادته ولم نعهد به كما تعلمين يوما ما إلا صادقا إلى حد القسوة التي تكتنز الوفاء النادر والثبات الحصين…
بتلك الربوة يرقد جسدك الفاني وقد حجز له شجرة مباركة في المكان زيتونة لا شرقية ولا غربية فلا يحجزها شيء عن شمس الصباح والمساء…
أماه هذه أثوابك تغادر سلك الغسيل ورفوف الخزائن… فلتحل بها البركة على روحك وعلى مستقرها وأصحابها الجدد وكل الأماكن التي ندعو الله أن تبقى لك صدقة جارية غرضا كانت أم ترابا إلى يوم لقياك بإذن الله في جنات رب العالمين…
أماه هذه ماكنة الخياطة التي غطت نفقات الدراسة وحاجيات البيت من أروع ما نحتت أناملك أو نسجت في أصعب الظروف… وجعلتنا لا نحوج لأحد ونحن في أوج الفاقة وقلة الحيلة… لقد رافقت كل سنوات دراستنا ورحلات الوالد التي لم تتوقف العمر كله…
وهذه آخر كسوة حملها جسدك الطاهر وقد اختلطت بجهازك… لا زالت تفوح منها رائحة الطيب والحنوط…  إلى حيث استقبلتك ملائكة الرحمن… لا شك أنك قد اجتزت الامتحان وأراك الرحيم الرحمن روضة من رياض الجنان… وهذه فوط الغسيل البيضاء الناصعة لا زال بها أثر الطيب… وبقية من الكفن… سأحتفظ بها بقية العمر بإذن رب العالمين، فلست أر فيهم رائحة الموت والرحيل بل رائحة الجنة…
لست من الذين يحبون أن يعلقوا بالذكريات الفانية إنما أريدها فقط لأجل الدعاء والذكرى لأجل الباقية الآتية…
يقولون يا أمي أن الحياة تستمر ولا تتوقف برحيل الأحباب والأعزاء… لكني أريدها أن لا تتوقف بالنسبة لك أنت كذلك… أعمال صالحة وصدقات جارية وأولاد وأحفاد يدعون لك… هكذا نريدها أن تستمر…
أماه لعلك ستشعرين بالضجر وسنسليك ما استطعنا بالصدقة الجارية أو لعلك ستشعرين بقلة الزاد وبرد الذنوب فسندثرك بالدعاء…
كان يوما حافلا خيمت فيه السماء على وجوه تمسح الدمع ولا تمنعه…
كنت أعلم أنه سيكون الوداع وأنه سيكون قاسيا كما هو الآن ولكني لم أكن مستعدا لمصير نعلم أنه حق على كل نفس… كانت نفسي منهكة من دنيا لم تغريني كثيرا بزخرفها سوى من فضول لما هو آت… “كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُور(185)” – آل عمران.

كنت تحسين بدنو الأجل ولكنك كنت من دون تشبث بالدنيا خائفة من أن تغادري من دون وداع وبلا أنس… وكانوا ملائكة الرحمن أنسك وكأني أراهم يتلقون روحك الطيبة الطاهرة…
يا أيتها النفس المطمئنة…
لقد أجاب الله أمنيتك ولم تكن أمنية عقاب لنا… لم أدرك ذلك إلا متأخرا… لقد كان أمنية أردت بها تخفيف لحظة وداع كنا نخشاها غيابا كنا أم حضورا… كنت وحدك وملائكة الرحمن ومن خدمك في أيامك الأخيرة بإخلاص وتفان…
دعيني الآن أتكلم شيئا ولو يسيرا عن بعض من فترات من الدنيا لا زالت تصنع سعادتنا بمجرد أن نتذكرها…  سنشتاق إلى خبز الشعير المميز الذي كنت تعدينه والأطباق التي كانت في صغرنا محل الضجر من تكرارها… هل تعلمين كم كانت أطيب وأنت في شيخوختك!؟ لا أحب في الحقيقة أن أصف حالك بالشيخوخة… فقد كنت دائما في نظرنا وكأنك في الأربعين لأربعين سنة أو أكثر خلت ولم يتغير فيك الشيء الكثير سوى من هموم كانت في الحقيقة تقلقنا جميعا وكأننا دخلنا فجأة عصر غير عصرنا والتقينا جيلا لا يشبهنا في كثير من الأمور…
سنشتاق إلى لمة رمضان ولمة العيد ولمة العائلة حول البيت الريفي الحجري القديم الذي لم يعد سوى آثارا، لكنه في كل شبر لنا فيه حكاية… حكايات لا تنتهي من وصفها الألسنة والأقلام، فكل يوم هناك له روح مميزة…
كان وداعا وكنت أعرف أنه الوداع ولكن خانني ضعفي وقلة حيلتي من تعب السنين وكنت أشعر أني كنت أضجر من نصيحة العقل بالترفق بالحال وفي نفس الوقت لم أكن أستطيع مسايرة تأنيب الضمير الذي لم يتوقف عن لومي لحظة واحدة…
لا زلت أسمع في الخيال صوتك نصيحة أو ملاحظة أو تلميحا كأنه هاتف من عالم الغيب يقول لي رقة ارفق بنفسك يا ولدي… أو حزما… جرب كذا … لو تفعل كذا!؟ ليس هكذا! يا وليدي… لم قمت بها هكذا!؟ انهض وانتبه لحياتك وكفاك كسلا… لم يكن كسلا يا أمي… بل كان حيرة وتوهانا وربما قلة حيلة… أو ربما شيئا آخر كان يقرض في الخفاء كل همة وإرادة…
كنت أحس أن أيامك الأخيرة بل شهورك كانت وداع امرأة صالحة أكملت اختبارها بفلاح وقد آن رحيلها للبشرى…
صحيح يا أمي… صحيح جدا أن من  رحلت والدته كبر فجأة، فيصيبه القهر والضياع، فيبكي بلا سبب ويسترسل في التفكير بلا تركيز وربما قد تتراكم أمنياته وتتكدس ثم تتعفن قبل أن تصبح جاهزة للزرع… ويُتم الكبر قد يكون أقسى…
يقولون أن الأشياء التي تنتهي ببطء قد يستحيل إعادتها وإحياءها من جديد وكذلك كان وداعك… كان بطيئا… وكان رغم ذلك يتأرجح بين الأمل واليأس…
أنا أفترض أن الكثير من الأصدقاء على هذا الفضاء سيمرون على حروفي مر الكرام وهذا طبيعي جدا ومقبول جدا لأني لم أرد به كثرة القراء ولا إعجاب الناس ولا أبتغي بها سوى أن يصل روحك الطاهرة عند ربها وهو على كل شيء قدير…
أعلم يا أمي أن حياتك، أعمالك بالدنيا كانت عبادة وطاعة وعلى الرغم من أميتك، فأنت لا تقرئين ولا تكتبين، إلا أن كل ما درسناه وفهمناه بحرصك على تعليمنا كله يقول أنك كنت على طريق الجنة ونسأل الله لك الفردوس الأعلى فحظك من الدنيا لم يكن سوى لأجل حظك في الآخرة وأدعو الله أن نكون على نهجك لنكون معك من الذين تتلقاهم الملائكة وهي تبشرهم… أن لا خوف عليكم اليوم ولا تحزنون.”إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُون(30)” – فصلت.
لست هنا بهذه الحروف لأبكي رحيلك وقد فعلت وبلا كلمات ولا حروف… وقد يقول عني القريب قبل البعيد أنني قاس… فليقولوا ما شاءوا وليفهموا وليفكروا بما شاءوا وكيفما شاءوا فالله وحده يعلم أني بكيت وأنت على قيد الحياة… بكيت ضعفك وضعفي الذي قوض مني قوى إسعادك… بكيت لأنك كنت أقوى مني إرادة حتى وأنت أضعف مني قوة، فما تعايشت إرادتك مع قوتي… ولعلنا خسرنا نحن الإثنين الرهان، لكنها الحياة… هكذا هي دائما رغم إصرار الناس على أنها ستكون مختلفة…
تكتنفني وتحيط بي هواجس دنيوية عديدة… لكن لن أحدثك عن الدنيا فلست بحاجة إليها اليوم ولن تشتاقي رجوعك إليها إلا لأجل مضاعفة أجر الآخرة… لست بحاجة اليوم إلى متاع الغرور…  هذا أكيد… بل كأني أسمعك وأنت في عالم البرزخ تقولين… يا ليت ولدي يعلم!؟ أعلم يا أمي… أعلم! وثقتي في الله تكبر وأطمع أن يغفر الله لنا جميعا ما تقدم وما تأخر وأسأل الله رحمته وعافيته ورضاه وأن ينقذنا برحمته وهدايته مما يضر فيها ولا ينفع وأن يسدد خطانا على صراطه المستقيم…
رحمك الله غاليتي ونور قبرك بنور الجنان وعطره من رضوانه وأسبل عليك وافر الرحمات بالدعوات وجعلك أنسك ملائكة الرحمة إلى يوم يبعثون… وإلى لقياك وقد أتينا رب العالمين بقلب سليم… آمين…
هذه بعض من حروف صادقة، غير متكلفة، كنت أكتبها على مدى أربعين يوما، من يوم رحيلك، السبت 13 رجب 1444 هـ، الموافق له 4 فيفري 2023م … أسأل الله أن تصلني البشرى منه سبحانه، فهو السميع العليم وهو على كل شيء قدير… وداعا أمي… وداعا والدتي… وداعا غاليتي. 

Comments 2

  • رحمها اللّه برحمتها الواسعة ، و جميع أمهات المسلمين .

  • اللهم اغفر لها و ارحمها و اعف عنها وتقبلها عندك في الصالحين اللهم اكرم نزلها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *