الفقهاء وأحداث التاريخ… ما ذنبهم!؟

كلمات صريحة… لمن أختلف معهم وأحترمهم…

بعيدا عن الوعظ والتربية والسياسة، الفقهاء هم فلاسفة الأمة وحكماؤها في أمور تدينها، بلا عاطفة ولا لين، … 

يعتقد بعض الناس وخاصة منهم دعاة التنوير، الذين في الحقيقة هم أكثر الناس جحودا، لكني لا أتحدث عن هؤلاء، بل عن أولئك الذين هم فعلا يعتقدون أن الفقهاء وعلماء الشريعة هم من صنع وزرع الفتن في المجتمعات عبر تاريخ الأمم ولا زالوا يفعلون، وهم في نظرهم، من أوقد نار الحروب الأهلية والدينية منها خاصة، وهم بسذاجة منهم أو غباء – هكذا يقولون عنهم زورا وبهتانا – أنهم من فوت على الأمة نهضتها وجعلها تنام وتتأخر كلما أرادت اليقظة! اطلاعي ومعرفتي وتجربتي وعلمي في الحياة يقول لي أنك أكبر غبي ساذج إن صدقت هذا الهراء!

في الحقيقة، هذا مجرد ادعاء، ظاهره تشابه بين مسببات الأحداث وباطنه فيه الكثير من الجهل وعدم التبين وكثير من الانخداع والغرور، بل ونتيجة السقوط في فتنة الاتّباع الأعمى، الذي من أخطر نتائجه تضييع فرص فهم شرع الله في تسيير الحياة اليومية للإنسان المسلم.

لكن رغم ذلك، نعم فيه فتن أصلها بالفعل هو التدين وليس الدين، لكني أراه مجرد تدين مغشوش واتباع أعمى أو مكر خفي مدروس مدسوس في دواليب الحكم والسياسة ومناهج التربية وتنظيم المجتمعات خلطا بأعراف وعادات وتقاليد ليست لها في الدين أصل وكثير منها مجرد طرق دخيلة أو بديلة أصبحت مع الزمن جزءا لا يتجزأ من التدين.

منذ ميلاد الجيل الأول من أبناء آدم عليه السلام وربما قبل ذلك بكثير، لم تكن الأرض مسرحا للأمن والسلام، فملائكة الرحمن كان أول تسائلهم “أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء!؟”. ولعل أول جريمة كان صاحبها قابيل ضد أخيه قابيل لأجل عرض دنيوي وهو يعلم علم اليقين من أبيه حرمة القتل وشدة عقابه.

وعبر التاريخ يذكرنا كتاب الله وهو أقوى وأغلى وأعظم وأول وآخر شهادة لا غبار عليها، ولا يداخلها في نفس المسلم شك ولا ريب ولا ظن، فلا يأتيه الباطل من بينه يديه ولا من خلفه ولا يطعن في صحة ما جرى من أحداث وقصص ذكرت فيه إلا جاحد مكابر، ولعل أهم قصة ذكرها القرآن الكريم بتفاصيلها الوافية ما جرى مع نوح عليه السلام وهو صفيه وكيف أنه لم يؤمن معه إلا قليل ويقال أنه آمن معه فقط أربعون وحتى أن أحد أبناءه رفض الانصياع لأمر الله رغم إلحاح أبيه وتذكيره بأن الطوفان عام ولا نجاة منه إلا على متن السفينة. كان الناس يرون فيه مجرد “مجنون” أو منبوذ أو مدّع، فلم ير منهم سوى الإعراض والاستهزاء والسخرية على مر قرون وليس فقط عشرات السنين. فهل كان عدم إيمانهم بسبب قلة حيلة نوح عليه السلام وضعف عقله أو حججه أو قلة علمه!؟ لقد أهلك الله أمة كاملة بالطوفان، ليقول له وللمؤمنين، أنتم من على الحق وأولئك على باطل، رغم كثرتهم وقوتهم وتأثيرهم. ومن عهد إبراهيم عليه السلام، وكيف كان وحده أمة، فلم يكن معه أحد يحب اتباع ما أتاه الله به من شريعة، ولا يعقل أن يرمى في النار ولا يعترض أحد! فهل كان إبراهيم عليه السلام وهو خليل الله وصفيه، ضعيف الحكمة، قليل الحجة والفكر ليقنع قومه وينقذهم من وبال أمرهم!؟ لقد كان عليه السلام رمزا للعلم والمنطق والحجة ونصره الله بذلك وجعل ذريته في الباقين إلى يوم يبعثون. وبعده، آل إبراهيم وآل عمران، في الأمم والذين منهم اصطفى رب العالمين الرسل والأنبياء إلى يوم القيامة. كان موسى عليه السلام في مصر حيث ملك الفرعون الذي ملأ الدنيا ولا زال يثير فيها الجدل بقوة العلم والسحر والآثار التي لم ولن يستطيع بشر أن يقلدها أو يأت بمثلها، ولم يكن موسى وهو القوي المؤيد بالمعجزات التي تسير معه (العصا واليد البيضاء بالنور) بقادر على أن يغير في قوم فرعون ولا حتى في قومه الشيء الكثير، فعشر آيات بينات لقوم فرعون وبعدها إنقاذ قومه من بطش الفرعون وجنده بمعجزة شق البحر والألواح المنزلة من رب العالمين بعد ذلك ورفع الجبل فوقهم ليأخذوا ما آتاهم الله به بقوة وغيرها من الآيات، لم تكن كلها كافية ليرتدع الكثير الكثير من قومه وهم يرون القوة والعلم والحكمة تسير شؤونهم، فكانت لعنة الله عليهم إلى يوم القيامة. ولعل أمر عيسى عليه السلام وهو الذي كلم قومه في المهد وكهلا بشرع الله “المسيحية” التي أتت مكملة ومصححة لتعاليم اليهودية وشريعتها “التوراة” فما يجد رغم معجزات إحياء الموتى وإنباءهم بما يأكلون وما يدخرون في البيوت وبرء الأكمه والأبرص، لم يجد من أكثر قومه وقوم بني إسرائيل سوى الإعراض وكانت المكيدة بالغدر ومكر الله بالرفع إلى السماء. فهل كان موسى وعيسى عليهما السلام بلا علم ولا حكمة ولا قوة حجة وبيان كي لا يريا من قومهم سوى الإعراض والإنكار والنفاق والشقاق!؟ أبدا وإنما هي رسالة الله لعباده عن طريق الرسل ثم العلماء والفقهاء والدعاة “… وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ(54)” – النور؛ و “لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُون(128)” -آل عمران.

لعلنا نقرأ القرآن ولا ننتبه إلى أن الملك والرسالة السماوية (عبادات وأحكام فقهية تطبق في كل مناحي الحياة اليومية) أمران منفصلان تماما، فلم يأمر رب العالمين بأن يكون الملك رسولا أو عالما أو فقيها أو داعية، بل إن الملك يؤتيه الله من يشاء وإنما كان أمر الله لعباده أن تكون الشورى بين المسلمين لأجل تطبيق أحكام الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لتنظيم المجتمع وتربيته بما يجعل الملك أو الدولة عادلة بلا خضوع وقوية بلا بطش. ألم تسجل الخلافة الأموية ثم العباسية أكبر الفتوحات الإسلامية في البلاد البعيدة وهما الملك العضوض!؟ وقبلها كانت قد مرت الخلافات الإسلامية الراشدة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بقلاقل وفتن ألصقت بشرع الله والفقهاء وهم منها براء!؟ بل إن معركة صفين وموقعة الجمل كان فيهما صحابة! ألم يكن القتل والمجازر حديث أكثر العصور والدولة الإسلامية في أوج قوتها وهي بشرع الله سائرة في مناحي الحياة اليومية!؟ ماذا كان يفعل الفقهاء والعلماء يومها!؟ كان أغلبهم محل عزلة أو ملاحقة أو سجون؛ أو بعيدا عن ذلك كله أو موازاة معه، كل في ميدانه في التربية والتعليم وتطبيق شرع الله، أئمة ومربين ودعاة ومستشارين وقضاة. بعضهم نأى بنفسه عن مفاصل الحكم وزهد في المناصب وزخرف الدنيا وكثير منهم سقط في عفن السياسة والحكم، لكن لم يحفظ الله سوى علم من كانوا مضطهدين، منعزلين عن السلطان، سائرين في سبل الجهاد بشتى أنواعه، مضحين بالنفس والنفيس لأجل أن يكون شرع الله هو الغالب، رغم ذلك لم يكن أكثر الناس بهم مقتدين ولا بآثارهم مهتدين!  وكان بالمقابل قد وزع الله بالسلطان للتمكين للإسلام والمسلمين ما لم يزع بالقرآن…

يقول صلى الله عليه وسلم ” عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ، فَجَعَلَ يَمُرُّ النَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلُ، وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلاَنِ، وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ…” – البخاري 5444.

لذلك فـلنتريث قليلا قبل الحكم على العلم والعلماء والفقه والفقهاء والدعوة والدعاة والمناهج والجماعات، فأكثر ميراثهم وتراثهم ناصع طيب فيه الكثير من العلم والحكمة ولا علاقة للأحداث السياسية بهم، إلا ربما فتنة أدخلوا فيها من باب الابتلاء. وهم مع ذلك بشر يصيبون ويخطؤون، وإنما أول مبدأ في الإسلام “إنما الأعمال بالنيات”.

حدثني أحد المنخدعين بالقرآنيين، قائلا، لقد حدثت بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم خيانات وخيبات وانحرافات، حتى من الصحابة أنفسهم، أن تركوا القرآن وزيفوا السنن فكانت الفتن وحب الدنيا وكان القتل. قلت : معاذ الله! وأنت تقرأ القرآن وترى فيه كيف أن الذين جاؤوا من بعدهم لهم من رب العالمين شهادات لا يمكن تحريفها لأنها في آي القرآن “والذين جاؤوا من بعدهم” وكيف أن حفظة الأحاديث هم أنفسهم من بهم حفظ القرآن ولا زال إلى يوم يرفع الله كتابه من السطور والصدور. ثم إني أستغرب كيف حكمت على وجود تلك الفتن والأحداث بصحة ما وصلك من أخبار وتأويلات ولم تصدق ما وصلك من أحاديث متواترة “معنعنة” صالحا عن صالح وعالما عن عالم وزاهدا عن زاهد!؟ وأستغرب كيف تطمأن إلى صحة صلاتك وكلها سنن محفوظة بالأحاديث النبوية ومفصلة بها ولا يمكن أن تصلي، بل ليس بإمكانك أن تفعل أي شيء من تلفظ أو حركات “تعبدية” إن لم تتبع تلك السنن التي حفظت بمن تقول عنهم أنهم “زيفوا أو حرفوا أو أهملوا حفظ السنن”!؟ وكيف تطمئن إلى دعاة التأويل ومنهم هذه الفرقة التي تسمي نفسها “القرآنيين” وأنت تعلم علم اليقين، لو تبينت، أنهم لا معارف لهم ولا علم ولا حتى معرفة ببيان اللغة وليس لهم من التاريخ سوى ما يرضي زيغ قلوبهم! فهم لا يتبعون إلا ما تشابه من القرآن الكريم ابتغاء الفتنة وابتغاء التأويل!

فلا تظلموا الفقهاء، فوالله ما أنجبت الأمة ولن تنجب بعد الرسل والأنبياء أعظم منهم قوة منطق في العلم وإخلاصا في الفكر ولا أبقى منهم في وأحفظ في النقل والأثر والتراث… عبر العصور كلها وأكثرها القرون الثلاثة الأولى، لأنها المادة الخام التي منها استخرجت كل الأحكام اجتهادا وإجماعا وقياسا.

Comments 1

  • قال الله تبارك و تعالى وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ دل ذلك على أهمية تعلم الفقة لأنه :
    لا يتم الدين إلا به
    و لا يمكن تطبيق العبادات إلا بتعلم الفق
    وبالفقه والتفقه تتبين مقاصد العبادات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *